أبي الفرج الأصفهاني
465
الأغاني
بإبله ، حتى أمسى في ليلة من ليالي الشتاء باردة مقمرة فاشتمل الصماء ثم نام - واشتمال الصماء : أن يرد فضلة ثوبه على عضده اليمنى ، ثم ينام عليها - فبينا هو نائم إذ جئم رجل [ 1 ] فقعد على جنبه فقال : استأسر . فرفع السليك إليه رأسه ، وقال : الليل طويل وأنت مقمر . فأرسلها مثلا ، فجعل الرجل يلهزه [ 2 ] ويقول : يا خبيث استأسر . فلما آذاه بذلك أخرج السليك بعده ، فضم الرجل إليه ضمة ضرط منها وهو فوقه ، فقال السليك : أضرطا وأنت الأعلى ؟ فأرسلها مثلا ، ثم قال : من أنت ؟ فقال . أنا رجل افتقرت ، فقلت : لأخرجنّ فلا أرجع إلى أهلي حتى أستغني فآتيهم وأنا غنّي قال . انطلق معي . فانطلقا ، فوجدا رجلا قصته مثل قصتهما . فاصطحبوا جميعا حتى أتوا الجوف : جوف مراد . فلما أشرفوا عليه إذا فيه نعم قد ملأ كل شيء من كثرته . فهابوا أن يغيروا فيطردوا بعضها ، فيلحقهم الطلب . فقال لهما سليك . كونا قريبا مني حتى آتي الرّعاء فأعلم لكما علم الحي ، أقريب أم بعيد . فإن كانوا قريبا رجعت إليكما ، وإن كانوا بعيدا قلت لكما قولا أومىء [ 3 ] إليكما به فأغيرا . فأنطلق حتى أتى الرّعاء ، فلم يزن / يستنطقهم حتى أخبروه بمكان الحي ، فإذا هم بعيد . إن طلبوا لم يدركوا . فقال السّليك للرّعاء : ألا أغنيكم ؟ فقالوا : بلى غنّنا ، فرفع صوته وغنّى : يا صاحبيّ ألا لاحي بالوادي سوى عبيد وآم [ 4 ] بين أذواد أتنظران قريبا ريث غفلتهم أم تغدوان فإن الريح [ 5 ] للغادي ؟ فلما سمعا ذلك أتيا السليك ، فأطردوا الإبل فذهبوا بها ولم يبلغ الصّريخ الحي حتى فاتوهم بالإبل . نبأ آخر من أنباء المراتع : قال المفضل : وزعموا أن سليكا خرج ومعه رجلان من بني الحارث بن امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم يقال لهما : عمرو وعاصم وهو يريد الغارة ، فمر على حي بني شيبان في ربيع والناس مخصبون في عشية فيها ضباب ومطر ، فإذا هو ببيت قد انفرد من البيوت وقد أمسى . فقال لأصحابه : كونوا بمكان كذا حتى آتي أهل هذا البيت ، فلعلي [ 6 ] أن أصيب لكم خيرا ، أو آتيكم بطعام قالوا : افعل ، فانطلق وقد أمسى وجن عليه الليل ، فإذا البيت بيت رويم ، وهو جد حوشب بن يزيد بن رويم ، وإذا الشيخ وامرأته بفناء البيت . فأتى السليك البيت من مؤخره فدخله ، فلم يلبث أن راح ابنه بإبله . فلما أراحها غضب الشيخ ، وفقال لابنه : هلَّا عشيّتها ساعة من الليل . فقال له ابنه : إنها أبت العشاء فقال : / العاشية [ 7 ] تهيج الآبية ، فأرسلها مثلا . ثم غضب الشيخ ، ونفض ثوبه في وجهها ، فرجعت إلى مراتعها ومعها الشيخ حتى مالت بأدنى روضة . فرتعت . وحبس الشيخ عندها لتتعشى ، وغطى وجهه بثوبه من البرد ، وتبعه سليك .
--> [ 1 ] ف ، هد : م : « جثم عليه رجل » . [ 2 ] يلهزه : يضربه بجمع يده في صدره أو رقبته . [ 3 ] أومىء . أوحي إليكما به . [ 4 ] الام : جمع أمة . [ 5 ] الريح : الغلبة والظفر . [ 6 ] ب ، س : « فعلي » . [ 7 ] العاشية : الراعية ليلا من الإبل .