أبي الفرج الأصفهاني
450
الأغاني
كنا نقعد إلى رؤبة يوم الجمعة في رحبة بني تميم : فاجتمعنا يوما فقطعنا الطريق ، ومرّت بنا عجوز فلم تقدر على أن تجوز في طريقها ، فقال رؤبة بن العجاج : تنحّ للعجوز عن طريقها إذ أقبلت رائحة من سوقها دعها فما النحويّ من صديقها يعبث به الصبيان فيستعين الوالي عليهم : أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ وأحمد بن عبيد اللَّه بن عمار ، قالا : حدثنا عمر بن شبّة ، قال : حدثنا أبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري النحويّ ، قال : دخل رؤبة بن العجاج السوق وعليه برنكان [ 1 ] أخضر ، فجعل الصبيان يعبثون به ، ويغرزون شوك النخل في برنكانه ويصيحون به ، يا مرذوم يا مرذوم ! فجاء إلى الوالي فقال : أرسل معي الوزعة [ 2 ] ، فإن الصبيان قد حالوا بيني وبين دخول السوق ، فأرسل معه أعوانا فشدّ على الصبيان ، وهو يقول : / أنحى على أمّك بالمرذوم أعور جعد من بني تميم شرّاب ألبان خلايا [ 3 ] الكوم [ 4 ] ففروا من بين يديه فدخلوا دارا في الصيارفة ، فقال له الشّرط : أين هم ؟ قال : دخلوا دار الظالمين ، فسمّيت دار الظالمين إلى الآن لقول رؤبة ، وهي في صيارفة سوق البصرة . بينه وبين راجز من أهل المدينة : وذكر أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائنيّ ، قال : قدم البصرة راجز من أهل المدينة ، فجلس إلى حلقة فيها الشعراء ، فقال : أنا أرجز العرب ، أنا الَّذي أقول : مروان يعطي وسعيد يمنع مروان نبع [ 5 ] وسعيد خروع وددت أني راميت من أحبّ في الرجز يدا بيد ، واللَّه لأنا أرجز من العجاج ، فليت البصرة جمعت بيني وبينه ، قال : والعجاج حاضر وابنه رؤبة معه ، فأقبل رؤبة على أبيه فقال : قد أنصفك الرجل ، فأقبل عليه العجاج وقال : هأنذا العجاج ، فهلم ! وزحف إليه ، فقال : وأيّ العجّاجين أنت ؟ قال : ما خلتك تعني غيري ، أنا عبد اللَّه الطويل - وكان يكني بذلك - فقال له المدنيّ : ما عنيتك ولا أردتك ، فقال : وكيف وقد هتفت بي ؟ قال : وما في الدنيا عجاج سواك ؟ قال : ما علمت ، قال : لكني أعلم ، وإياه عنيت . قال : فهذا ابني رؤبة ، فقال : اللهم غفرا ، ما بيني وبينكما عمل : وإنما مرادي غيركما ، فضحك أهل الحلقة منه ، وكفّا عنه .
--> [ 1 ] البرنكان ، كزعفران : الكساء . [ 2 ] الوزعة : جمع الوازع ، وصف من وزع : أي كف ومنع . [ 3 ] الخلايا : جمع خلية ، وهي من الإبل : المخلاة للحلب . [ 4 ] الكوم : جمع كوماء ، وهي : الناقة العظيمة السنام ، والفعل كوم ، كفرح . [ 5 ] النبع : شجر تتخذ منه القسي والسهام لصلابته ، ينبت في قنة الجبل .