الشهيد الثاني
392
روض الجنان في شرح ارشاد الأذهان ( ط . ج )
وقد عرفت من قريب منع هذا الفريق لإرادة هذا المعنى من قوله عليه السلام : « لا يفسده شيء » ( 1 ) إلى آخره ، فكيف يثبته الآن على خصمه ! ؟ ومنها : صحيحة عليّ بن يقطين ، قال : سألت أبا الحسن موسى عن البئر تقع فيها الحمامة أو الدجاجة أو الفأرة أو الكلب أو الهرّة ، فقال : « يجزئك أن تنزح منها دلاء ، فإنّ ذلك يطهّرها إن شاء اللَّه تعالى » ( 2 ) والإجزاء ظاهر في الخروج عن عهدة الواجب ، وتطهيرها بذلك يدلّ على نجاستها بدونه كما تقدّم . قيل : يرد عليها عدم الدلالة نصّاً ، فلا يعارض ما تقدّم . قلنا : النصّ منتفٍ في الجانبين ، والظاهر موجود فيهما ، فلم يبق إلا الترجيح بأمرٍ آخر ، مع أنّ دعوى عدم النصّ في هذه موضع نظر . قيل : التمسّك بظاهرها لا يستقيم لعدم استواء الكلب والفأرة في الحكم ، وليس حملها على تفسّخ الفأرة وخروج الكلب حيّاً بأولى من حملها على التغيّر أو إرادة التنظيف . قلنا : قد دلَّت على النجاسة في الجملة ، وإنّما تختلف في قدر المطهّر بسبب اختلاف أعيان النجاسة ، وذلك لا يؤثّر في أصل الدلالة . وأمّا الاعتبار فهو أنّ البئر لو لم تنجس لم يكن للنزح فائدة ، فيكون عبثاً ، والتالي ظاهر البطلان لصدوره عمّن لا ينطق عن الهوى ، فالمقدّم مثله ، والملازمة ظاهرة . وأُجيب : بمنع الملازمة إذ لا يلزم من انتفاء فائدة مخصوصة انتفاؤها مطلقاً ، ولا يلزم من عدم العلم بها عدمها ، ومن ثَمَّ قال المصنّف بالاستحباب ( 3 ) ، وهو فائدة ، والشيخُ في التهذيب بأنّه تعبّد ( 4 ) . وبالجملة ، فالأخبار متعارضة ، والاعتبار قائم ، وباب التأويل متّسع إلا أنّه خارج عن الحقيقة غالباً ، والمسألة من أشكل أبواب الفقه ، غير أنّ المعتبر في المصير إلى مثل هذه الأحكام رجحان ما لأحدهما على ضدّه ، وكأنّه موجود هنا في جانب النجاسة ، واللَّه أعلم بحقائق أحكامه .
--> ( 1 ) التهذيب 1 : 234 / 676 الاستبصار 1 : 33 / 87 . ( 2 ) التهذيب 1 : 237 / 686 الاستبصار 1 : 37 / 101 . ( 3 ) تذكرة الفقهاء 1 : 27 ذيل القسم الحادي عشر من أقسام النجاسة الواقعة في البئر نهاية الإحكام 1 : 260 . ( 4 ) التهذيب 1 : 232 .