الشهيد الثاني
22
روض الجنان في شرح ارشاد الأذهان ( ط . ج )
هم أن يحمد منّي ما يجده في مطاويه ، ويشكر سعيي عند وقوفه على دقائق مودعة فيه لا يجدها إذا أرادها في كتاب ، ولا يبتهج بها إلا المتّقون من أولي الألباب ، واللَّه يحقّ الحقّ بكلماته ويُبطل الباطل ولو كره المبطلون . هذا ، مع تقسّم البال وتقلقل الحال من تراكم أمواج فتن وأهوال ، وعلى اللَّه قصد السبيل وإرشاد الدليل ، وهو حسبي ونعم الوكيل . اعلم أنّ العلماء رضوان اللَّه عليهم قد استقرّ أمرهم على أن يبتدئوا في مصنّفاتهم بتسمية اللَّه تعالى وتحميده اقتداءً بخير الكلام ، كلام الملك العلام ، واستدلالاً بأحاديث وردت عن رسوله وآله « ، فسلك المصنّف رحمه اللَّه هذا النهج القويم ، وقال : ( بسم اللَّه الرحمن الرحيم ) . وتوهّم التنافي بين مشهوري خبري « البَسْمَلة » و « الحَمْدَ له » اللَّذين أحدهما : قوله عليه السلام : « كلّ أمرٍ ذي بال لم يُبدأ فيه ببسم اللَّه فهو أبتر ( 1 ) » والثاني : قوله عليه السلام : « كلّ أمرٍ ذي بال لم يُبدأ فيه بحمد اللَّه فهو أجذم » ( 2 ) » - باعتبار أنّ الابتداء بمدلول أحدهما يوجب تأخير الآخر يندفع : بأنّ الابتداء هو التقديم على المقصود الذاتي ، وهو مسائل الفنّ ، والخطبة بأجمعها مقصودة بالعرض ، والمحلّ متّسع ، أو بأنّ الابتداء حقيقيّ وإضافيّ ، فالحقيقيّ حصل بالبَسْمَلَة ، والإضافيّ بالحَمْد لَه ، فهو مبتدأ به بالإضافة إلى ما بعده ، أو بأنّ الحمد هو الثناء بنعوت الكمال ، واسم اللَّه المتعال منبئ عن صفات الإكرام ونعوت الجلال ، فالابتداء بالتسمية يستلزم العمل بالخبرين جميعاً . والمراد بالأمر ذي البال ما يخطر بالقلب من الأعمال ، جليلةً كانت أم حقيرة ، فإنّ أفعال العقلاء تابعة ( 3 ) لقصودهم ودواعيهم المتوقّفة على الخطور بالقلب . والأبتر يطلق على المقطوع مطلقاً ، وعلى مقطوع الذنب ، وعلى ما لا عقب ولا نتيجة له ، وعلى ما انقطع من الخير أثره . والمعنى على الأوّل والأخير أنّ ما لا يبتدأ فيه من الأُمور بالتسمية مقطوع الخير والبركة ، وعلى الثاني يراد به الغاية الحاصلة من البتر ، وهي النقص وتشويه الخلقة ونقص القدر .
--> ( 1 ) الكشّاف 1 : 3 - 4 التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السّلام : 25 ، ذيل الحديث 7 . ( 2 ) المعجم الكبير - للطبراني - 19 : 72 / 141 سنن أبي داود 4 : 261 / 4840 بتفاوت يسير . ( 3 ) في « م » : تقع تابعة » .