السيد محمدمهدي بحر العلوم

53

الفوائد الرجالية

باب الياء يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور : أبو زكريا الديلمي المعروف ب‍ ( الفراء ) الامام المشهور ( 1 ) . أخذ عن الكسائي ، وهو من جلة أصحابه ، وكان أبرع الكوفيين . له مصنفات كثيرة مشهورة في النحو واللغة ومعاني القرآن ، مات بطريق

--> ( 1 ) يحيى بن زياد - الأقطع - بن عبد الله بن مروان الديلمي الكوفي ، وكان إمامي العقيدة ، وقطعت يد أبيه زياد بن عبد الله في ( وقعة فخ ) لأنه كان مع الحسين بن علي بن الحسن المثلث - رضي الله عنه - حين ظهر أيام موسى الهادي ابن المهدي بن المنصور العباسي ، فقتل وقتل معه جماعة من أهل بيته ومن الشيعة ، وقطعت يد زياد حينئذ ، والتشيع قديم فيهم . ونقل ابن خلكان في ( وفيات الأعيان ) عن أبي عبد الله المرزبان في كتابه : " أن زيادا - والد الفراء - كان أقطع لأنه حضر وقعة الحسين بن علي - رضي الله عنهما - فقطعت يده في ذلك الحرب " . فحسب ابن خلكان أن الحسين بن علي - هذا - هو الشهيد في كربلا ابن علي بن أبي طالب - عليه السلام - فاستغرب من كلام ابن المرزبان ، وأردف كلامه بقوله : " وهذا عندي فيه نظر لان الفراء عاش ثلاثا وستين سنة فتكون ولادته سنة 144 ه‍ ، وحرب الحسين كانت سنة إحدى وستين للهجرة ، فبين حرب الحسين وولادة الفراء ثلاث وثمانون سنة ، فكم عاش أبوه ؟ فإن كان الأقطع جده فيمكن والله أعلم " . هذا كلام ابن خلكان وما ندري من أين علم أن الحسين بن علي في كلام ابن المرزبان هو الحسين بن علي بن أبي طالب شهيد كربلا - عليه السلام - وكم لابن خلكان من هفوات ؟ ( وللغفلات تعرض للأريب ) . وقد نص المولى عبد الله أفندي في ( رياض العلماء ) على أن الفراء - هذا - من الشيعة الإمامية ، قال : " وما قال السيوطي - يعني في بغية الوعاة - من ميل الفراء إلى الاعتزال لعله مبني على خلط أكثر علماء العامة بين أصول الشيعة والمعتزلة وإلا فهو شيعي إمامي " . قال ابن خلكان : " كان الفراء أبرع الكوفيين وأعلمهم بالنحو واللغة وفنون الأدب ، ( حكي ) عن أبي العباس ثعلب أنه قال : لولا الفراء لما كانت عربية لأنه خلصها وضبطها ، ولولا الفراء لسقطت العربية لأنها كانت تتنازع ويدعيها كل من أراد ، ويتكلم الناس فيها على مقادير عقولهم وقرائحهم فتذهب وأخذ النحو عن أبي الحسن الكسائي ، وهو والأحمر ( أي علي بن المبارك ) من أشهر أصحابه وأخصهم به ، وكان قد ورد بغداد في أيام المأمون فبقي يتردد على بابه مدة لا يصل إليه ، فبينما هو ذات يوم على الباب إذ جاء أبو بشر ثمامة بن الأشرس النمير المعتزلي - وكان خصيصا بالمأمون - قال ثمامة : فرأيت أبهة أديب فجلست إليه ففاتشته عن اللغة فوجدته بحرا ، وفاتشته عن النحو فشاهدته نسيج وحده ، وعن الفقه فوجدته رجلا فقيها عارفا باختلاف القوم ، وبالنجوم ماهرا ، وبالطب خبيرا ، وبأيام العرب وأشعارها حاذقا ، فقلت له : من تكون ؟ وما أظنك إلا الفراء ، فقال : أنا هو ، فدخلت فأعلمت أمير المؤمنين المأمون فامر باحضاره لوقته وكان سبب اتصاله به ، ( وقال قطرب ) دخل الفراء على الرشيد فتكلم بكلام لحن فيه مرآة ، فقال جعفر بن يحيى البرمكي : إنه قد لحن يا أمير المؤمنين ، فقال الرشيد للفراء : أتلحق ؟ فقال الفراء : يا أمير المؤمنين إن طباع أهل البدو الاعراب وطباع أهل الحضر اللحن ، فإذا تحفظت لم ألحن ، وإذا رجعت إلى الطباع لحنت ، فاستحسن الرشيد قوله " . وقال الخطيب في تاريخ بغداد : " إن الفراء لما اتصل بالمأمون أمره أن يؤلف ما يجمع به أصول النحو وما سمع من العربية ، وأمر أن يفرد بحجرة من حجر الدار ووكل به جواري وخدم يقمن بما يحتاج إليه حتى لا يتعلق قلبه ولا تتشوق نفسه إلى شئ ، حتى أنهم كانوا يؤذنونه بأوقات الصلاة ، وصير له الوراقين وألزمه الامناء والمنفقين ، فكان يملي والوراقون يكتبون حتى صنف ( الحدود ) في سنتين . وأمر المأمون بكتبه بالخزائن ، فبعد أن فرغ من ذلك خرج إلى الناس وابتدأ بكتاب ( المعاني ) ، قال الراوي : وأردنا أن نعد الناس الذين اجتمعوا لاملاء ( كتاب المعاني ) فلم نضبطهم ، فعددنا القضاة فكانوا ثمانين قاضيا فلم يزل يمليه حتى أتمه . ولما فرغ من ( كتاب المعاني ) خزنه الوراقون عن الناس ليكتسبوا به ، وقالوا : لا نخرجه إلا لمن أراد أن ننسخه له على خمس أوراق بدرهم ، فشكا الناس إلى الفراء ، فدعا الوراقين فقال لهم في ذلك ، فقالوا : إنما صحبناك لننتفع بك ، وكل ما صنفته فليس بالناس إليه من الحاجة ما بهم إلى هذا الكتاب فدعنا نعيش به ، فقال : فقاربوهم تنتفعوا وينتفعوا ، فأبوا عليه ، فقال : سأريكم ، وقال للناس : إني ممل كتاب معان أتم شرحا وأبسط قولا من الذي أمليت ، فجلس يملي ، فأملى الحمد في مائة ورقة ، فجاء الوراقون إليه وقالوا : نحن نبلغ الناس ما يحبون ، فنسخوا كل عشر أوراق بدرهم ، وكان سبب إملائه ( كتاب المعاني ) أن أحد أصحابه - وهو عمر بن بكير - كان يصحب الحسن بن سهل فكتب إلى الفراء : إن الأمير الحسن لا يزال يسألني عن أشياء من القرآن لا يحضرني عنها جواب فان رأيت أن تجمع لي أصولا وتجعل ذلك كتابا يرجع إليه فعلت ؟ فلما قرأ الكتاب قال لأصحابه : اجتمعوا حتى أملي لكم كتاب في القرآن وجعل لهم يوما ، فلما حضروا خرج إليهم ، وكان في المسجد رجل يؤذن فيه وكان من القراء ، فقال له : إقرأ فقرأ فاتحة الكتاب ففسرها حتى مر في القرآن كله على ذلك ، يقرأ الرجل والفراء يفسره ، وكتابه هذا نحو ألف ورقة ، وهو كتاب لم يعمل مثله ، ولا يمكن أحد أن يزيد عليه " . وقد طبع بمصر حديثا جزء ان من ( كتاب المعاني ) إلى سورة الزمر ، ويستمر في طبع بقية أجزائه . ومولد الفراء بالكوفة سنة 144 ه‍ ، وانتقل إلى بغداد وجعل أكثر مقامه بها ، وكان شديد طلب المعاش لا يستريح في بيته ، وكان يجمع طول السنة ، فإذا كان في آخرها خرج إلى الكوفة فأقام بها أربعين يوما في أهله يفرق عليهم ما جمعه ويبرهم . وله من التصانيف : الكتابان المقدم ذكرهما ، وهما : الحدود ، والمعاني وكتابان في المشكل ، أحدهما أكبر من الاخر ، وكتاب البهاء وهو صغير الحجم ( قال ابن خلكان ) : " وقفت عليه ورأيت فيه أكثر الألفاظ التي استعملها أبو العباس ثعلب في ( كتاب الفصيح ) وهو في حجم الفصيح غير أنه غيره ، ورتبه على صورة أخرى ، وعلى الحقيقة ليس لثعلب في ( الفصيح ) سوى الترتيب وزيادة يسيرة وفى كتاب ( البهاء ) أيضا ألفاظ ليست في الفصيح قليلة ، وليس في الكتابين اختلاف إلى في شئ قليل ، وله كتاب اللغات ، وكتاب المصادر في القرآن ، وكتاب الجمع والتثنية في القرآن ، وكتاب الوقف والابتداء ، وكتاب المفاخر وكتاب آلة الكتاب ، وكتاب النوادر ، وكتاب الواو ، وغير ذلك من الكتب وقال سلمة بن عاصم : أملى الفراء كتبه كلها حفظا لم يأخذه بيده نسخة إلا في كتابين كتاب ملازم ، وكتاب يافع ويفعه ، قال أبو بكر الأنباري : ومقدار الكتابين خمسون ورقة ، مقدار كتب الفراء ثلاثة آلاف ورقة " . والفراء - بفتح الفاء وتشديد الراء وبعدها الف ممدودة - وإنما قيل له : فراء ولم يكن يعمل الفراء ولا يبيعها - لأنها كان يفري الكلام وقد توفي سنة 207 ه‍ في طريق مكة وعمره ثلاث وستون سنة ، راجع في ترجمه أكثر المعاجم الرجالية لا سيما الكتب المؤلفة في طبقات النحويين .