السيد محمدمهدي بحر العلوم

184

الفوائد الرجالية

وعده المفيد في ( الهلالية ) ( 1 ) في الفقهاء الاعلام والرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام الذين لا مطعن عليهم ولا طريق إلى ذم واحد منهم وحديثه في المنتفى ( صحر ) والأولى ( صحي ) ( 2 ) . وروى الكشي : ( . . . عن حمدويه ومحمد قالا : حدثنا محمد بن عيسى عن صفوان عن عبد الرحمان بن الحجاج ، قال : سأل أبو العباس الفضل البقباق لحريز الاذن على أبي عبد الله - عليه السلام - فلم يأذن له ، فعاوده فلم يأذن له ، فقال له : أي شئ للرجل أن يبلغ في عقوبة غلامه ؟ فقال على قدر جريرته ، فقال : قد عاقبت والله حريزا بأعظم مما صنع ، فقال : ويحك إني فعلت ذلك ؟ إن حريزا جرد السيف - ثم قال - : أما لو كان

--> ( 1 ) تقدم - آنفا - ( ص 163 ) من هذا الجزء ذكر الرسالة الهلالية وأنها في الرد على من يقول : إن شهر رمضان ثلاثون يوما وأنه لا ينقص ، وقد عد المفيد فيها الفضل بن عبد الملك - هذا - في الفقهاء الاعلام والرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام الذين لا مطعن عليهم ولا طريق إلى ذم واحد منهم ، وذكر روايته في آخر الرسالة - وهي مخطوطة - فراجعها . ( 2 ) صحر - بالراء في آخره - رمز للصحيح على اصطلاح المتأخرين ، وصحي - بالياء التحتانية في آخره - رمز للصحيح على اصطلاح المتقدمين ، قال الشيخ البهائي - رحمه الله - في مقدمة مشرق الشمسين ( ص 3 ) طبع إيران : ( قد استقر اصطلاح المتأخرين من علمائنا - رضي الله عنهم - على تنويع الحديث المعتبر - ولو في الجملة - إلى الأنواع الثلاثة المشهورة ، أعني : الصحيح ، والحسن والموثق ، بأنه إن كان جميع سلسلة سنده إماميين ممدوحين بالتوثيق فصحيح ، أو إماميين ممدوحين بدونه كلا أو بعضا مع توثيق الباقي فحسن ، أو كانوا كلا أو بعضا غير إماميين مع توثيق الكل فموثق ، وهذا الاصطلاح لم يكن معروفا بين قدمائنا - قدس الله أرواحهم - كما هو ظاهر لمن مارس كلامهم ، بل كان المتعارف بينهم إطلاق الصحيح على كل حديث صحيح اعتضد بما يقتضي اعتمادهم عليه أو اقترن بما يوجب الوثوق به والركون إليه ، وذلك أمور : ( منها ) وجوده في كثير من الأصول الأربعمائة التي نقلوها عن مشائخهم بطرقهم المتصلة بأصحاب العصمة - سلام الله عليهم - وكانت متداولة لديهم في تلك الاعصار ، مشتهرة بينهم اشتهار الشمس في رابعة النهار ( ومنها ) تكرره في أصل أو أصلين منها فصاعدا بطرق مختلفة وأسانيد عديدة معتبرة ( ومنها ) وجوده في أصل معروف الانتساب إلى أحد الجماعة الذين أجمعوا على تصديقهم كزرارة ، ومحمد بن مسلم ، والفضيل بن يسار ، أو على تصحيح ما يصح عنهم كصفوان بن يحيى ، ويونس بن عبد الرحمن ، وأحمد بن محمد بن أبي نصر ، أو العمل بروايتهم كعمار الساباطي ونظرائه ممن عدهم شيخ الطائفة في كتاب العدة ، كما نقله عنه المحقق - رحمه الله - في بحث التراوح من المعتبر ( ومنها ) اندراجه في أحد الكتب التي عرضت على الأئمة - عليهم سلام الله - فأثنوا على مؤلفيها ككتاب عبيد الله الحلبي الذي عرض على الصادق - عليه السلام - وكتاب يونس بن عبد الرحمن ، والفضل ابن شاذان المعروضين على العسكري - عليه السلام - ( ومنها ) أخذه من أحد الكتب التي شاع بين سلفهم الوثوق بها والاعتماد عليها ، سواء كان مؤلفوها من الفرقة الناجية الامامية ككتاب الصلاة لحريز بن عبد الله السجستاني ، وكتب بني سعيد ، وعلي بن مهزيار ، أو من غير الامامية ككتاب حفص بن غياث القاضي ، والحسين بن عبيد الله السعدي ، وكتاب القبلة لعلي بن الحسن الطاطري ، وفد جرى رئيس المحدثين ثقة الاسلام محمد بن بابويه - قدس الله روحه - على متعارف المتقدمين في اطلاق الصحيح على ما يركن إليه ويعتمد عليه ، فحكم بصحة جميع ما أورده من الأحاديث في كتاب ( من لا يحضره الفقيه ) وذكر أنه استخرجها من كتب مشهورة عليها المعول واليها المرجع ، وكثير من تلك الأحاديث بمعزل عن الاندراج في الصحيح على مصطلح المتأخرين ومنخرط في سلك الحسان والموثقات ، بل الضعاف . وقد سلك عن ذلك المنوال جماعة من أعلام علماء الرجال فحكموا بصحة حديث بعض الرواة غير الامامية كعلي بن محمد بن رياح وغيره لما لاح لهم من القرائن المقتضية للوثوق بهم ، والاعتماد عليهم ، وإن لم يكونوا في عداد الجماعة الذين انعقد الاجماع على تصحيح ما يصح عنهم ، والذي بعث المتأخرين - نور الله مراقدهم - على العدول عن متعارف القدماء ووضع ذلك الاصطلاح الجديد هو أنه لما طالت المدة بينهم وبين الصدر السالف ، وآل الحال إلى اندراس بعض كتب الأصول المعتمدة لتسلط حكام الجور والضلال والخوف من إظهارها وانتساخها وانضم إلى ذلك اجتماع ما وصل إليهم من كتب الأصول في الأصول المشهورة في هذا الزمان فالتبست الأحاديث المأخوذة من الأصول المعتمدة بالمأخوذة من غير المعتمدة ، واشتبهت المتكررة في كتب الأصول بغير المتكررة ، وخفي عليهم - قدس الله أرواحهم - كثير من تلك الأمور التي كانت سبب وثوق القدماء بكثير من الأحاديث ولم يمكنهم الجري على أثرهم في تمييز ما يعتمد عليه مما لا يركن إليه فاحتاجوا إلى قانون تتميز به الأحاديث المعتبرة عن غيرها ، والوثوق بها عما سواها فقرروا لنا - شكر الله سعيهم - ذلك الاصطلاح الجديد ، وقربوا الينا البعيد ، ووصفوا الأحاديث الموردة في كتبهم الاستدلالية بما اقتضاه ذلك الاصطلاح من الصحة والحسن والتوثيق . وأول من سلك هذا الطريق - من علمائنا المتأخرين - شيخنا العلامة جمال الحق والدين الحسن بن المطهر الحلي - قدس الله روحه - ، ثم أنهم - أعلى الله مقامهم - ربما يسلكون طريقة القدماء في بعض الأحيان فيصفون مراسيل بعض المشاهير - كابن أبي عمير وصفوان بن يحيى - بالصحة لما شاع من أنهم لا يرسلون إلا عمن يثقون بصدقه ، بل يصفون بعض الأحاديث التي في سندها من يعتقدون أنه فطحي أو ناووسي بالصحة نظرا إلى اندراجه فيمن أجمعوا على تصحيح ما يصح عنهم ، وعلى هذا جرى العلامة - قدس الله روحه - في ( المختلف ) حيث قال في مسألة ظهور فسق إمام الجماعة : إن حديث عبد الله بن بكير صحيح وفي ( الخلاصة ) حيث قال : ( إن طريق الصدوق إلى أبي مريم الأنصاري صحيح وإن كان في طريقه أبان بن عثمان ) وهو فطحي مستندا في الكتابين إلى إجماع العصابة على تصحيح ما يصح عنهما ، وقد جرى شيخنا الشهيد الثاني - طاب ثراه - على هذا المنوال أيضا كما وصف في بحث الردة من شرح الشرائع حديث الحسن ابن محبوب عن غير واحد بالصحة ، وأمثال ذلك في كلامهم كثير ، فلا تغفل ) . وبناء على ما نقلناه فان أبا منصور جمال الدين الحسن بن زين الدين الشهيد الثاني المتوفى سنة 1011 ه‍ جرى على هذا الاصطلاح في الصحيح عند المتقدمين والصحيح عند المتأخرين في مقدمة كتابه ( المنتقى ج 1 ص 4 ) طبع إيران سنة 1379 ه‍ ، ومع ذلك روى في ( ص 63 ) رواية في الأسئار عن الحسين بن سعيد عن حماد عن حريز عن الفضل أبي العباس ( البقباق ) عن الصادق - عليه السلام - ورمز لها في صدر الرواية ( بصحر ) مع أن رواتها كلهم إماميون ممدوحون بالتوثيق فالذي كان ينبغي له أن يصفها ( بصحي ) كما ذكره سيدنا في الأصل ، فلاحظ ذلك