السيد محمدمهدي بحر العلوم
123
الفوائد الرجالية
الشهير بابن الأثير صاحب كتاب ( النهاية في غريب الحديث ) - كان بالجزيرة فنسب إليها ثم انتقل إلى الموصل فمات بها عام ست وستمائة - في كتاب ( جامع الأصول الستة ) - في المجددين على رأس المائة الرابعة من الهجرة ، فإنه أورد ما رواه أبو داود الترمذي ( 1 ) : ( أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ) ، ثم قال : ( قد تكلم العلماء في تأويل هذا الحديث ، وأشاروا إلى القائم الذي يجدد الناس دينهم على رأس كل مائة سنة . وكان كل قائل قد مال إلى مذهبه ، وحمل تأويل الحديث إليه . والأولى أن يحمل على العموم ، فان لفظة ( من ) تقع على الواحد والجماعة ، ولا يلزم منه أيضا
--> ( 1 ) كذا في الأصل والصحيح ( السجستاني ) بدل ( الترمذي ) لان الترمذي كنيته أبو عيسى والحديث لا وجود له في سنن الترمذي ، وإنما رواه أبو داود سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني المولود سنة 202 ه والمتوفى بالبصرة المدفون بها يوم الجمعة منتصف شوال سنة 275 ه ، وقد رواه في سننه في كتاب الملاحم ( ج 2 ص 424 ) طبع مصر سنة 1371 ه ، فقال : ( حدثنا سليمان بن داود المهري أخبرنا ابن وهب أخبرني سعيد بن أبي أيوب ، عن شراحيل بن يزيد المعافري ، عن أبي علقمة ، عن أبي هريرة - فيما أعلم - عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : ( إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ) قال أبو داود - يعني نفسه - رواه عبد الرحمن بن شريح الإسكندراني ، لم يجز به شراحيل ) . وروى هذا الحديث أيضا السيوطي في ( الجامع الصغير ) في حرف الهمزة ، عن أبي داود والحاكم النيسابوري ، والبيهقي في ( المعرفة ) عن أبي هريرة ، وصححه السيوطي ، أما الحاكم النيسابوري إمام المحدثين أبو عبد الله محمد بن عبد الله المتوفى في صفر سنة 405 ه ، فقد رواه في ( المستدرك على الصحيحين : ج 4 ص 522 ) طبع حيدر آباد دكن سنة 1342 ه : ( عن أبي العباس محمد بن يعقوب ، عن الربيع بن سليمان بن كامل المرادي ، عن عبد الله بن وهب ، عن سعيد بن أبي أيوب عن شرحبيل بن يزيد ، عن أبي علقمة عن أبي هريرة ، ولا أعلمه إلا عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال . . . ) ثم ذكر الحديث ، وذكره أيضا الذهبي في ( تلخيص المستدرك ) بهامشه في الصفحة المذكورة . قال العلامة عبد الرؤف المناوي في ( فيض القدير ) شرح الجامع الصغير للسيوطي ( ج 2 ص 281 ) طبع مصر سنة 1356 ه - عند شرحه للحديث المذكور - : ( ( إن الله يبعث لهذه الأمة ) أي يقيض لها ( على رأس كل مائة سنة ) من الهجرة أو غيرها ، والمراد بالرأس تقريبا ( من ) أي رجلا أو أكثر ( يجدد لها دينها ) أي يبين السنة من البدعة ، ويكثر العلم ، وينصر أهله ، ويكسر أهل البدعة ويذلهم قالوا : ولا يكون إلا عالما بالعلوم الدينية الظاهرة والباطنة ، قال ابن كثير : قد ادعى كل قوم في إمامهم أنه المراد بهذا الحديث ، والظاهر أنه يعم جملة من العلماء من كل طائفة وكل صنف من مفسر ومحدث وفقيه ونحوي ولغوي وغيرهم ) ثم قال المناوي : ( وفي حديث لأبي داود : المجدد منا أهل البيت ) أي لان آل محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كل تقي ) - ثم قال - : ( ذكر الحديث أبو داود في الملاحم ، والحاكم في الفتن وصححه ، والبيهقي في كتاب ( المعرفة ) له كلهم عن أبي هريرة ، قال الزين العراقي وغيره : سنده صحيح ، ومن ثم رمز المؤلف لصحته ) . وذكر مثله العزيزي في ( السراج المنير ) شرح الجامع الصغير ( ج 1 ص 411 ) طبع مصر سنة 1304 ه ، وزاد قوله : ( وقال العلقمي : معنى التجديد إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والامر بمقتضاهما ، واعلم أن المجدد إنما هو بغلبة الظن بقرائن أحواله والانتفاع بعلمه ) . أما الشيخ الحفني في حاشيته على ( السراج المنير ) - في الصفحة المذكورة - فقد قال : ( . . . ( قوله يبعث ) البعث : الارسال ، وليس المراد هنا بل المراد أنه يقيض شخصا بأن يجعل له ملكة يذب بها الباطل وينصر الحق ، ولا يشترط في المجدد أن يكون من أهل البيت عند الجمهور ، وآخر المجددين المهدي وعيسى - عليه السلام - ( قوله على رأس ) أي أول كل مائة سنة من الهجرة ، خلافا لمن قال من الولادة ، والسنة والعام مترادفان ، وفرق بعضهم بأن العام من أول المحرم إلى مثله فقط ، والسنة من يوم كذا إلى مثله ، سواء المحرم وغيره ، وعبارة العلقمي أي أولها من الهجرة النبوية ، ولهذا قال شيخنا : المراد من رأس كل مائة سنة ما يؤرخ بها في مدة المائة ، وأن يكون المبعوث على رأس المائة رجلا مشهورا معروفا مشارا إليه ، وأن تنقضي المائة وهو مشهور حي مشار إليه ، واعلم أن المجدد إنما هو بغلبة الظن ممن عاصره من العلماء بقرائن أحواله والانتفاع بعلمه ، ولا يكون المجدد إلا عالما بالعلوم الدينية الظاهرة والباطنة ، ناصرا للسنة قامعا للبدعة ، وإنما كان التجديد على رأس كل مائة سنة لانخرام علماء المائة غالبا واندراس السنن وظهور البدع ، فيحتاج حينئذ إلى تجديد الدين . . . قال شيخنا : اتفق الحفاظ على أنه حديث صحيح ، وممن نص على صحته من المتأخرين أبو الفضل العراقي وابن حجر ، ومن المتقدمين الحاكم في المستدرك ، والبيهقي في المدخل ) .