السيد محمدمهدي بحر العلوم

118

الفوائد الرجالية

مذهب الأئمة الاشراف ، فان مؤلفه هو السيد الرضي بلا خفاء ، واحتمال الوضع من أحد هذين المعظمين من أعظم الافتراء ، ولعمري أراد أن يذم ، فمدح . فان الاقتداء على مثل ما تضمنه الكتاب المذكور : - من الخطب والكتب وغيرها من الكلام ، الذي هو دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق - يعود بالمدح والثناء من حيث لا يشعر به قائله ( 1 ) . وفي ( مجالس المؤمنين ) - نقلا عن تأريخ ابن كثير الشامي - أنه قال فيه : ( الشريف الموسوي الملقب ب‍ ( المرتضى ) ذي المجدين ، كان أكبر من أخيه ( الرضي ) ذي الحسبين نقيب الطالبين ، وكان على مذهب الإمامية والاعتزال ، يناظر على كل ذلك . وكان يناظر عنده في كل مذهب

--> ( 1 ) إن نسبة انتحال الشريف الرضي - رحمه الله - جامع ( نهج البلاغة ) خطبة أو كلمة إلى الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - عليه السلام - وتعمده الكذب عليه بأي دافع من الدوافع ، فشئ لا يسع أهل العلم والعرفاء بحال الرضي - رحمه الله - أن يقبلوه ، لان نزاهة الشريف الرضي معلومة ، وعفته مشهورة ، وزهده ثابت ، وورعه معروف ، فقد قال النسابة الشهير جمال الدين أحمد بن علي بن الحسين بن علي بن مهنا بن عنبة الأصغر الداودي الحسني المتوفى سنة 828 ه‍ ، في كتابه ( عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب : ص 196 ) طبع النجف الأشرف سنة 1358 ه‍ ، في ترجمته للشريف الرضي : ( . . . كانت له هيبة وجلالة وفيه ورع وعفة وتقشف . . . . ) . وقضايا الشريف مع الخلفاء والوزراء برهان شهامته ، ونزاهة ضميره ، وصدقه في شعوره ، فكيف يجرأ مجترئ عليه ؟ فيحمله على أنه - في تأليفه لنهج البلاغة - كان مدفوعا بدوافع العصبية ، فما الذي دفعه إلى تجشم التأليف ؟ وليس الرضي بدعا من رسل الترسل ، ولا بأول سالك نهج البلاغة من كلام أمير المؤمنين - عليه السلام - والاستضاءة بنبراسه ، فقد سبقته قوافل من رواد العبقرية الانشائية مسترشدين بكلم علي - عليه السلام - وخطبه وكتبه ، فقد قال عبد الحميد بن يحيى بن سعد العامري الكاتب المشهور الذي هو من أئمة الكتاب وعلماء الأدب المتوفى سنة 132 ه‍ : ( حفظت سبعين خطبة من خطب الأصلع ففاضت ثم فاضت ) يعني بالأصلع : الامام عليا - عليه السلام - ، وقال أبو يحيى عبد الرحيم بن محمد ابن إسماعيل بن نباتة الفارقي - صاحب الخطب المعروفة - الملقب بالخطيب المصري والمتوفى سنة 374 ه‍ : ( حفظت من الخطب كنزا لا يزيده الانفاق إلا سعة ، حفظت مائة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب ) وكم زين الجاحظ أبو عثمان عمرو ابن بحر بن محبوب الليثي البصري اللغوي النحوي ، الشهير المتوفى بالبصرة سنة 255 ه‍ ، كتبه مثل ( البيان والتبيين ) بفصول من خطب أمير المؤمنين - عليه السلام - إعجابا بها ، وإعدادا للنفوس لبلوغ أقصى البلاغة . ولو كان قلم الشريف الرضي يحمل شيئا من التعصب في المذهب لما أثبت في كتابه تأبين علي لعمر ( رض ) بأعلى ما يمدح به ممدوح ، بقول : ( لله بلاد عمر . . . ) الخ ، وكان للشريف الرضي مندوحة من حذفه . فما بال بعض ذوي الأغراض الممقوتة يقدحون في ( نهج البلاغة ) لمجرد تأثرهم مما في الخطبة ( الشقشقية ) وحدهما ، فان هذه الخطبة أثبتها كثير من أدباء عصر الرضي وأرسلوا نسبتها إلى علي - عليه السلام - إرسال المسلمات ، وأثبتوها في مدوناتهم ، ولو كانت ( الشقشقية ) وليدة عصرهم لعرفوا أمرها وتثبتوا في إسنادها شأن المعاصر مع معاصريه ، وممن روى الخطبة ( الشقشقية ) قبل الرضي رئيس المعتزلة أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي المتوفى سنة 303 ه‍ في كتابه والحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري المتوفى سنة 395 ه‍ في كتاب المواعظ والزواجر ، والصدوق في معاني الأخبار ، والشيخ المفيد في الارشاد . يقول عبد الحميد بن أبي الحديد المعتزلي في آخر شرحه للشقشقية ( ج 1 ص 69 ) ( حدثني شيخي أبو الخير مصدق بن شبيب سنة 603 ه‍ ، قال : قرأت على الشيخ أبي محمد عبد الله بن أحمد المعروف بابن الخشاب هذه الخطبة - إلى أن قال - فقلت له : أتقول : إنها منحولة ؟ فقال : لا والله ، وإني لأعلم أنها كلامه - عليه السلام - كما أعلم أنك ( مصدق ) قال : فقلت له : إن كثيرا من الناس يقولون إنها من كلام الرضي ، فقال : أنى للرضي ولغير الرضي هذا النفس وهذا الأسلوب قد وقفنا على رسائل الرضي وعرفنا طريقته وفنه في الكلام المنثور ، وما يقع مع هذا الكلام في خل ولا خمر - ثم قال - : والله لقد وقفت على هذه الخطبة في كتب صنفت قبل أن يخلق الرضي بمائتي سنة ، ولقد وجدتها مسطورة ، أعرفها وأعرف خطوط من هي من العلماء وأهل الأدب ، قبل أن يخلق النقيب أو أحمد والد الرضي ) قال ابن أبي الحديد : ( قلت : ووجدت أنا كثيرا من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخي إمام البغداديين من المعتزلة ، وكان في دولة المقتدر قبل أن يخلق الرضي بمدة طويلة ، ووجدت أيضا كثيرا منها في كتاب أبي جعفر بن قبة أحد متكلمي الإمامية ، وهو الكتاب المشهور المعروف بكتاب ( الانصاف ) وكان أبو جعفر - هذا - من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخي ، ومات في ذلك العصر قبل أن يكون الرضي موجودا ) . وقال أستاذ الحكماء ميثم بن علي بن ميثم البحراني المتوفى سنة 679 في شرحه لنهج البلاغة - عند شرحه للخطبة الشقشقية - ( ج 1 ص 252 ) طبع إيران سنة 1378 ه‍ : ( قد وجدتها - أي الخطبة الشقشقية - في موضعين تاريخها قبل مولد الرضي بمدة : ( أحدهما ) أنها مضمنة كتاب ( الانصاف ) لأبي جعفر بن قبة تلميذ أبي القاسم البلخي أحد شيوخ المعتزلة ، وكانت وفاته قبل مولد الرضي ( الثاني ) إني وجدتها بنسخة عليها خط الوزير أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات ، وكان وزير المقتدر بالله ، وذلك قبل مولد الرضي بنيف وستين سنة ، والذي يغلب على ظني أن تلك النسخة كانت كتبت قبل وجود ابن الفرات بمدة ) . ونورد لك فيما يأتي أسماء الناقلين للشقشقية قبل الشريف الرضي - رحمه الله - : 1 - شيخ المعتزلة أبو القاسم البلخي المتوفى سنة 317 ه‍ ، حسبما رواه ابن أبي الحديد في شرح النهج ( ج 1 ص 69 ) طبع مصر . 2 - الشيخ أبو جعفر بن قبة من أبناء المائة الثالثة ، في كتاب ( الانصاف ) برواية ابن أبي الحديد والشيخ ميثم البحراني في شرحيهما على الشقشقية . 3 - نسخة الخطبة الشقشقية قديمة الخط عليها كتابة الوزير أبي الحسن علي بن الفرات المتوفى سنة 312 ه‍ ، حسبما رواه شيخ المتكلمين ابن ميثم البحراني في شرحه لنهج البلاغة . 4 - أحمد بن محمد البرقي المتوفى سنة 274 ه‍ ، مصنف كتاب ( المحاسن ) حسبما روى عنه الشيخ الصدوق محمد بن بابويه في كتابه ( علل الشرائع ) في الباب الثاني والعشرين بعد المائة ، وقد طبع كتاب علل الشرائع بإيران سنة 1289 ه‍ ، وبالنجف الأشرف سنة 1328 ه‍ . 5 - شيخ المؤرخين عبد العزيز بن يحيى الجلودي البصري المتوفى سنة 332 ه‍ حسبما رواه ابن بابويه في الباب الرابع بعد الأربعمائة من كتابه ( معاني الأخبار ) المطبوع بإيران سنة 1289 وسنة 1379 . 6 - شيخ المحدثين الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري من أبناء القرن الثالث في كتابه ( المواعظ والزواجر ) حسبما روى عنه القطيفي في كتاب ( الفرقة الناجية ) وروى عنه الصدوق بن بابويه شرح الخطبة في ( معاني الأخبار ) الباب الرابع بعد الأربعمائة . 7 - شيخ المتكلمين ببغداد أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان المفيد من شيوخ الشريف الرضي ، في كتابه الارشاد ( ص 135 ) طبع إيران . 8 - الوزير الآبي أبو سعيد منصور المتوفى سنة 422 ه‍ ، في كتابه نثر الدرر 9 - شيخ المعتزلة محمد بن عبد الوهاب أبو علي الجبائي المتوفى سنة 303 ه‍ حسبما رواه عنه الشيخ إبراهيم القطيفي في كتابه ( الفرقة الناجية ) . هؤلاء الذين أوردوا في كتبهم الخطبة الشقشقية مروية عن الامام - علي - عليه السلام - ممن وجدوا قبل أن يوجد الشريف الرضي - رحمه الله - ذكرهم العلامة الكبير الحجة السيد هبة الدين الشهرستاني - أدام الله وجوده - في كتابه ( ما هو نهج البلاغة ) المطبوع بصيدا سنة 1352 ه‍ وفي النجف الأشرف سنة 1380 . وذكر ابن الأثير الجزري المتوفى سنة 606 ه‍ في ( نهاية الحديث ) بمادة ( شقشق ) : ( ومنه حديث علي في خطبة له : تلك شقشقة هدرت ثم قرت ) . وأورد العلامة الشهرستاني أيضا في كتابه المذكور ( ص 24 ) وما بعدها طائفة من الاعلام الذين جمعوا خطب الإمام علي - عليه السلام - قبل جمع الرضي من أبناء المائة الأولى والمائة الثانية ، والمائة الثالثة ، وما بعدها ، وأنهاهم إلى خمسة عشر علما من الاعلام ، ثم قال : ( فإذا وقفت على هؤلاء الجماهير من حملة الآثار وثقات النقلة ، وقدرت الاهتمام العظيم من السلف بحفظ الخطب واستظهارها ، واستنساخ الكتب والرسائل ممن قصصنا عليك أسماءهم ، ومنهم من لم نقصص عليك - وربما كان هذا القسم أكثر - انجلت عن قلبك غيوم الشبهة التي يأتي بها من هنا وهناك الشاكون والمنحرفون ) . وأما الناقلون لخطبه بعد الشريف فهم لا يحصون كالقاضي القضاعي في دستور الحكم ، وأخطب خوارزم موفق بن أحمد في مناقبه ، والكنجي الشافعي في كفاية الطالب ، وابن طلحة الشافعي في مطالب السؤل ، وابن الجوزي في المدهش والكراچكي في فوائده ، وغيرهم في غيرها كثير .