السيد محمدمهدي بحر العلوم
334
الفوائد الرجالية
فخرجوا شاهرين أسيافهم يقدمهم عمر بن الخطاب حتى وقفوا بباب مسجد رسول الله ( ص ) فقال عمر : والله يا أصحاب على ، لئن ذهب الرجل منكم بتكلم بالذي تكلم به بالأمس لنأخذن الذي فيه عيناه . فقام إليه خالد ابن سعيد بن العاص ، وقال : يا بن صهاك الحبشية ، أفبأسيافكم تهددوننا أم بجمعكم تفزعوننا ؟ والله إن أسيافنا أحد من أسيافكم ، وإنا لأكثر منكم - وإن كنا قليلين - لان حجة الله فينا ، والله لولا أنى أعلم أن طاعة الله ورسوله وطاعة إمامي أولى بي ، لشهرت سيفي ولجاهدتكم في الله إلى أن ابلى عذري فقال له أمير المؤمنين - عليه السلام - : اجلس يا خالد ، فقد عرف الله لك مقامك وشكر لك سعيك . . . " ( الحديث ) خباب بن الأرت التميمي : أبو عبد الله ( 1 ) أحد السابقين الأولين
--> ( 1 ) خباب بن الأرت بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سعد بن زيد بن مناة بن تميم ، هكذا قيل في نسبه كما يقول ابن سعد في الطبقات الكبرى ( ج 3 - ص 164 طبع بيروت ) ناقلا عن محمد بن عمر الواقدي أنه قال : كذلك يقول ولد خباب أيضا يكنى خباب : أبا عبد الله ، وقيل : أبا محمد ، وقيل أبا يحيى . قال ابن عبد البر في الاستيعاب بهامش الإصابة ( ج 1 ص 423 ) طبع مصر سنة 1328 ه : " اختلف في نسبه ، فقيل : هو خزاعي ، وقيل : هو تميمي ، ولم يختلف انه حليف لبني زهرة ، والصحيح انه تميمي النسب ، لحقه سباه في الجاهلية فاشترته امرأة من خزاعة وأعتقته ، وكانت من حلفاء عوف بن عبد عوف بن الحرث بن زهرة ، فهو تميمي بالنسب ، خزاعي بالولاء ، زهري بالحلف . . . كان قينا يعمل السيوف في الجاهلية فأصابه سباء فبيع بمكة فاشترته أم أنمار بنت سباع الخزاعية وأبوها سباع حليف عوف بن عبد عوف - كما ذكرنا - وقد قيل : هو مولى ثابت بن أم أنمار ، بل أم خباب هي أم سباع الخزاعية ولم يلحقه = سباء ولكنه انتمى إلى حلفاء أمه بني زهرة . كان فاضلا من المهاجرين الأولين شهد بدرا وما بعدها من المشاهد مع النبي صلى الله عليه وآله سلم ، وكان قديم الاسلام ممن عذب في الله وصبر على دينه ، وكان رسول الله قد آخى بينه وبين تميم مولى خراش بن الصمة ( وقيل ) : بل آخى بينه وبين جبر بن عتيك ، والأول أصح ، والله أعلم . نزل الكوفة ومات بها سنة 37 ه ، منصرف علي عليه السلام من صفين ( وقيل ) : بل مات سنة 39 ه ، بعد أن شهد مع علي : صفين والنهروان وصلى عليه علي بن أبي طالب ، وكان سنة إذ مات ثلاثا وستين سنة ، وسأل عمر بن الخطاب خبابا عما لقي من المشركين ، فقال : يا أمير المؤمنين انظر إلى ظهري فنظر فقال : ما رأيت كاليوم ، قال خباب لقد أوقدت لي نار وسحبت عليها فما أطفأها إلا ودك ظهري " ، ( الودك : الشحم ) . وذكره ابن الجوزي في ( صفوة الصفوة ج 1 ص 168 ) ، طبع حيدر آباد دكن سنة 1355 ه . وعده الشيخ الطوسي في ( رجاله ) من أصحاب رسول الله ( ص ) : ( ص 19 رقم 3 ) . وترجم له ابن الأثير الجزري في ( أسد الغابة ج 2 ص 98 ) ومما قال : " . . وهو من السابقين الأولين في الاسلام وممن عذب في الله تعالى ، كان سادس ستة في الاسلام . . . قال الشعبي : إن خبابا صبر ( اي على العذاب ) ولم يعط الكفار ما سألوا ، فجعلوا يلصقون ظهره بالرضف ( الحجارة المحماة ) حتى ذهب لحم متنه " . وذكر مثله السيد علي خان المدني في الدرجات الرفيعة ( ص 404 ) طبع النجف الأشرف . وروى الجزري أيضا عن زيد بن وهب أنه قال : " سرنا مع علي حين رجع من صفين حتى إذا كان عند باب الكوفة إذا نحن بقبور سبعة عن أيماننا فقال : ما هذه القبور ؟ فقالوا : يا أمير المؤمنين ، إن خباب بن الأرت توفي بعد مخرجك إلى صفين فأوصى ان يدفن في ظاهر الكوفة ، وكان الناس إنما يدفنون موتاهم في أفنيتهم وعلى أبواب دورهم ، فلما رأوا خبابا أوصى ان يدفن بالظهر فدفن الناس إلى جنبه ، فقال علي - رضي الله عنه - : رحم الله خبابا ، أسلم راغبا وهاجر طائعا وعاش مجاهدا ، وابتلى في جسمه ، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا ، ثم دنا من قبورهم ، فقال السلام عليكم يا أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ، أنتم لنا سلف فارط ونحن لكم تبع عما قليل لاحق ، اللهم اغفر لنا ولهم ، وتجاوز بعفوك عنا وعنهم طوبى لمن ذكر المعاد ، وعمل للحساب ، وقنع بالكفاف ، وأرضى الله عز وجل " . ثم قال الجزري ( ص 100 ) : " قال أبو عمر : مات خباب سنة 37 ه ، بعد ما شهد صفين مع علي - رضي الله عنه - والنهروان ، وصلى عليه علي ، وكان عمره إذ مات ثلاثا وسبعين سنة . . . قلت : الصحيح إنه مات سنة 37 ه وإنه لم يشهد صفين ، فإنه كان مرضه قد طال به فمنعه من شهودها . . . وقد أعقب عدة أولاد منهم عبد الله ، وقتلته الخوارج أيام علي - رضي الله عنه - وله رواية عن النبي ( ص ) . . . " وذكر نصر بن مزاحم في كتاب صفين ( ص 610 ) مثل ما رواه الجزري عن زيد بن وهب مما ذكرناه آنفا . وقال الحاكم في المستدرك ( ج 3 - ص 382 ) : " مات خباب بن الأرت سنة 37 ه ، وهو أول من قبره علي بالكوفة من أصحاب رسول الله ( ص ) وأول من صلي عليه بعد مرجع أمير المؤمنين من صفين " . وروى ابن سعد في الطبقات الكبرى ( ج 3 ص 165 ، طبع بيروت ) عن الشعبي قال : " دخل خباب بن الأرت على عمر بن الخطاب فأجلسه على متكئه وقال : ما على الأرض أحد أحق بهذا المجلس من هذا إلا رجل واحد ، قال له خباب : من هو يا أمير المؤمنين ؟ قال : بلال ( قال ) : فقال له خباب : يا أمير المؤمنين ما هو بأحق منى ، إن بلالا كان له في المشركين من يمنعه الله به ولم يكن لي أحد يمنعني ، فلقد رأيتني يوما أخذوني وأوقدوا لي نارا ثم سلقوني فيها ثم وضع رجل رجله على صدري فما اتقيت الأرض - أو قال برد الأرض - إلا بظهري قال : ثم كشف عن ظهره ، فإذا هو قد برص " . وذكر مثله الذهبي في ( تاريخ الاسلام : ج 2 ص 176 ) طبع مصر سنة 1368 ه ثم روى ابن سعد في الطبقات الكبرى ( ص 167 ) عن محمد بن عمر ( الواقدي ) بسنده عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال : " سألت عبد الله بن خباب متى مات أبوك ؟ قال : سنة 37 ه ، وهو يومئذ ابن ثلاث وسبعين سنة ، قال محمد ابن عمر ( الواقدي ) : وسمعت من يقول : هو أول من قبره علي بالكوفة وصلى عليه منصرفه من صفين " . ثم روى أيضا ابن سعد بسنده " . . . قال حدثني ابن الخباب قال لي : أي بني إذا أنامت فادفني بهذا ( الظهر ) ، فإنك لو قد دفنتني بالظهر ، قيل : دفن بالظهر رجل من أصحاب رسول الله ( ص ) فدفن الناس موتاهم ، فلما مات خباب - رحمه الله - دفن بالظهر فكان أول مدفون بظهر الكوفة خباب " . وأما روايات خباب والراوون عنه ، فقد جاء في ( الإصابة ) لابن حجر أنه روى عن النبي ( ص ) ، وفى ( ذيل المذيل ) لوفيات الأعيان تاريخ ابن خلكان لزين الدين العراقي أنه روى عن رسول الله ( ص ) حديثا كثيرا ، وفي ( أسد الغابة ) لابن الأثير الجزري أنه روى عنه ابنه عبد الله ، ومسروق بن الأجدع ، وقيس بن حازم ، وشقيق وعبد الله بن سنجرة ، وأبو ميسرة عمرو بن شرحبيل ، والشعبي ، وحارثة بن مضرب وغيرهم ، وزاد ابن حجر العسقلاني في ( تهذيب التهذيب ) : أنه روى عنه أبو أمامة الباهلي ، وأبو معمر عبد الله بن الشخير ، وعلقمة بن قيس ، وأبو وائل ، وحارثة ابن مضرب ، وأبو الكنود الأزدي ، وأبو ليلى الكندي ، ( قال ) وأرسل عنه مجاهد ، والشعبي ، وسليمان بن أبي هند . وخباب : بخاء معجمة مفتوحة وباء موحدة مشددة والف وباء موحدة ، و ( الأرت ) بهمزة وراء مهملة مفتوحتين ومثناة فوقانية مشددة ، وأصل الأرت من في لسان عقدة وحبسة لا يطاوعه لسانه عند إرادة الكلام فإذا شرع فيه اتصل كلامه ولعل أباه كان كذلك . وأخبار خباب بن الأرت كثيرة ، انظرها في كتب التاريخ وفي المعاجم الرجالية .