السيد محمدمهدي بحر العلوم
325
الفوائد الرجالية
خالد بن سعيد بن العاص : أبو سعيد نجيب بني أمية ، من السابقين الأولين ، ومن المتمسكين بولاء أمير المؤمنين عليه السلام . وكان سبب إسلامه أنه رأى نارا مؤججة يريد أبوه أن يلقيه فيها ، وإذا برسول الله ( ص ) قد جذبه إلى نفسه وخلصه من تلك النار . فلما استيقظ وعرف صدق رؤياه خرج إلى النبي ( ص ) مبادرا ليعرض عليه إسلامه ، فلقي أبا بكر ، وقص عليه الرؤيا ، فأقبل معه أبو بكر حتى أتيا إلى رسول الله ( ص ) وأسلما ( 1 ) . ثم إن أباه سعيد بن العاص بن أمية لما سمع باسلامه أخرجه من داره وتبرأ منه وأمر بنيه أن لا يكلموه ولا يجالسوه ، فكان خالد يصبح عند رسول الله ( ص ) ويمسي عنده حتى هاجر المسلمون إلى الحبشة ، فهاجر معهم هاربا من أبيه - ومعه امرأته أميمة الخزاعية - فولدت له بأرض الحبشة ابنه سعيدا وابنة له ثم إن رسول الله ( ص ) كتب إلى النجاشي يدعوه إلى الاسلام ويخطب إليه أم حبيبة بنت أبي سفيان ، ويأمره ان يحمل جعفرا وأصحابه ، ويبعث بهم إليه . فأسلم النجاشي وآمن برسول الله ( ص ) وزوجه أم حبيبة وأصدقها أربعمائة دينار ، وكان خالد هو الذي تولى التزويج وحمل جعفرا وأصحابه
--> ( 1 ) خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي ، أبو سعيد القرشي الأموي . أبوه سعيد بن العاص ، يكنى : أبا أحيحة ، مات على كفره ، كان أعز من بمكة ، وكان شديدا عليه وعلى المسلمين . ولكن الله تعالى يخرج الحي من الميت وهو الذي قال - حين مرضه - : لئن رفعني الله من مرضى هذا لا يعبد إله ابن أبي كبشة ببطن مكة أبدا ، فقال ابنه خالد عند ذلك : اللهم لا ترفعه . فتوفى في مرضه ذلك ( ذكر ذلك الجزري في ( أسد الغابة ) ، وابن عبد البر في ( الاستيعاب ) الحاكم في ( المستدرك ) على الصحيحين - عند ترجمة ابنه خالد ) . أم خالد بن سعيد هي لبينة المعروفة بأم خالد بنت حباب ( أو خباب ) بن عبد يا ليل بن ناشب بن غيرة بن معد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة وذكر ابن سعد في الطبقات الكبرى ( ج 4 ص 94 ) طبع بيروت سنة 1377 ه : أن إسلامه كان قديما ، وكان إسلامه قبل إخوته ، وفى ( الإستيعاب لابن عبد البر ) - في ترجمته - : أنه أسلم قديما ، يقال بعد أبي بكر فكان ثالثا أو رابعا ، وقيل : كان خامسا ، وقال حمزة بن ربيعة : أسلم مع أبي بكر - وهذا القول هو الذي اختاره سيدنا - رحمه الله - في الأصل . وذكر الحاكم في ( المستدرك على الصحيحين ) : أنه أسلم قبل أبي بكر ، وفي طبقات ابن سعد ( ص 96 ) بسنده عن إبراهيم عن عقبة " قال : سمعت أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص تقول : كان أبي خامسا في الاسلام ، قلت : فمن تقدمه ؟ قالت : ابن أبي طالب وابن أبي قحافة وزيد بن حارثة وسعد بن أبي وقاص وأسلم أبي قبل الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة ، وهاجر في المرة الثانية وأقام بها بضع عشرة سنة ، وولدت أنا بها ، وقدم على النبي ( ص ) بخيبر سنة سبع ، فكلم رسول الله ( ص ) المسلمين فأسهموا لنا ، ثم رجعنا مع رسول الله ( ص ) إلى المدينة وأقمنا ، وخرج أبي مع رسول الله ( ص ) في عمرة القضية ، وغزا معه إلى الفتح هو وعمي - تعني عمرا - وخرجا معه إلى تبوك ، وبعث رسول الله ( ص ) أبي عاملا على صدقات اليمن ، فتوفي رسول الله ( ص ) وأبي باليمن " . وروى أيضا " عن محمد بن عمر ( الواقدي ) قال : حدثني جعفر بن محمد ابن خالد عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان قال : أقام خالد - بعد أن قدم من أرض الحبشة مع رسول الله ( ص ) بالمدينة ، وكان يكتب له ، وهو الذي كتب كتاب أهل الطائف لوفد ثقيف ، وهو الذي مشى في الصلح بينهم وبين رسول الله ( ص ) . . . " . وروى أيضا عن محمد بن عمر ( الواقدي ) بسنده أنه " توفي رسول الله ( ص ) وخالد بن سعيد عامله على اليمن " وبسنده " توفي رسول الله ( ص ) وخالد بن سعيد عامله على صدقات مذحج " . وكان بدء إسلامه - على ما ذكره ابن سعد في الطبقات ( ج 4 : - ص 94 ) عن محمد بن عمر ( الواقدي ) بسنده قال : كان إسلام خالد بن سعيد قديما وكان أول إخوته أسلم . وكان بدء إسلامه أنه رأى في النوم أنه واقف على شفير النار - فذكر من سعتها ما الله به أعلم - ويرى في النوم كأن أباه يدفعه فيها ، ويرى رسول الله آخذا بحقويه لئلا يقع ، ففزع من نومه فقال : أحلف بالله إن هذه لرؤيا حق ، فلقي أبا بكر بن أبي قحافة فذكر ذلك له ، فقال أبو بكر : أريد بك خير ، هذا رسول الله ( ص ) فاتبعه فإنك ستتبعه وتدخل معه في الاسلام الذي يحجزك من أن تقع فيها ، وأبوك واقع فيها ، فلقي رسول الله ( ص ) وهو بأجياد ، فقال : يا محمد إلى ما تدعو ؟ قال : أدعو إلى الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع ولا يدري من عبده ممن لم يعبده . قال خالد : فاني أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أنك رسول الله ، فسر رسول الله باسلامه " . وذكر مثله الحاكم في المستدرك ( ج 3 ص 248 ) طبع حيدر آباد دكن وزاد قوله : " وأرسل أبوه في طلبه من بقي من ولده ممن لم يسلم ، ورافعا مولاه فوجده فاتوا به إياه أبا أحيحة فأنبه وبكته وضربه بصريمة في يده حتى كسرها على رأسه ، ثم قال : اتبعت محمدا وأنت ترى خلاف قومه وما جاء به من عيب آلهتهم وعيبه من مضى من آبائهم ؟ فقال خالد : قد صدق والله واتبعته ، فغضب أبوه أبو أحيحة ونال منه وشتمه ، ثم قال : إذهب يا لكع حيث شئت ، والله لأمنعنك القوت ، فقال خالد : إن منعتني فان الله عز وجل يرزقني ما أعيش به ، فأخرجه وقال لبنيه لا يكلمه أحد منكم إلا صنعت به ما صنعت به ، فانصرف خالد إلى رسول الله ( ص ) فكان يكرمه ويكون معه " . وذكر ذلك أيضا الذهبي في هامش المستدرك ولكن باختصار للقصة ، وذكر القصة ابن الأثير الجزري مثل ما ذكره الحاكم في المستدرك ( ج 2 ص 82 - ص 83 ) من أسد الغابة ، وابن حجر - في ترجمته - من الإصابة ، ولكن باختصار ، وابن عبد البر - في ترجمته - من الاستيعاب . وروى قصة إسلامه أيضا - كما ذكرنا - السيد علي خان المدني في الدرجات الرفيعة ( ص 392 ) طبع النجف الأشرف سنة 1381 ه ، كما رواها أكثر أرباب المعاجم باختلاف يسير في بعض الجمل . هذا ما ذكرناه في سبب إسلامه عن المصادر المذكورة ، ولكن ابن عساكر الدمشقي يروي في سبب إسلامه غير ما ذكرنا ، فنراه في ( ج 5 ص 45 من تهذيب تاريخ دمشق طبع الشام سنة 1332 ه ) يقول : " وأخرج من طريق الدارقطني والمحاملي عن أم خالد بنت خالد بن سعيد قالت : لما كان قبيل مبعث النبي ( ص ) بينا خالد ابن سعيد ذات ليلة نائم ، رأيت ظلمة غشيت مكة حتى لا يبصر امرؤ كفه ، فبينما هو كذلك إذا خرج نور ، ثم علا في السماء فأضاء في البيت ، ثم أضاءت مكة كلها ثم إلى نجد ، ثم إلى يثرب فأضاء حتى أني لأنظر إلى البسر في النخل ( قال ) فاستيقظت فقصصتها على أخي عمرو بن سعيد - وكان جزل الرأي - فقال : يا أخي إن هذا الامر يكون في بني عبد المطلب . الا ترى أنه خرج من حفيرة أبيهم ، قال خالد فإنه لما هداني الله به للاسلام ، قالت أم خالد : فكان أول من أسلم أبي ، وذلك أنه ذكر رؤياه لرسول الله ( ص ) ، فقال : يا خالد وأنا - والله - ذلك النور وأنا - والله - رسول الله ، فقص عليه ما بعثه الله به ، فأسلم خالد وأسلم عمرو بعده " . ثم قال ابن عساكر - بعد أن ذكر الحديث المذكور - : " قال الدارقطني : هذا حديث غريب من حديث موسى بن عقبة ولم يروه عنه غير محمد بن أبي شملة وهو الواقدي - تفرد به يعقوب بن محمد الزهري عنه ، ورواه الحافظ من غير طريق الدارقطني ، فأخرجه من طريق ابن سعد بسنده إلى صالح بن كيسان عن خالد نفسه ، قال : رأيت في النوم - قبل مبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم - ظلمة غشيت مكة حتى ما أرى جبلا ولا سهلا ، ثم رأيت نورا خرج من زمزم مثل ضوء المصباح فلما ارتفع عظم وسطع حتى ارتفع فأضاء لي أول ما أضاء البيت ثم عظم الضوء حتى ما بقي من سهل ولا جبل إلا وأنا أراه ، ثم سطع في السماء ، ثم انحدر حتى أضاء لي نخل يثرب فيها البسر ، وسمعت قائلا يقول في الضوء : سبحانه سبحانه تمت الكلمة وهلك ابن مارد بهضبة الحصى بين ( أذرح ) ( والأكمة ) سعدت هذه الأمة ، جاء النبي الأمين ، وبلغ الكتاب أجله ، كذبته هذه القرية ، تعذب مرتين تتوب في الثالثة ، ثلاث بقيت ثنتان بالمشرق وواحدة في المغرب ، فقصها خالد على أخيه عمرو بن سعيد فقال : لقد رأيت عجبا . وإني لأرى أن هذا الامر يكون في بني عبد المطلب إذ رأيت النور خرج من زمزم " . ثم روى ابن عساكر في قصة اسلام خالد عن ابن سعد ما ذكرناه عن الطبقات آنفا . وروى أيضا ( ص 51 ) انه كان خالد وهو يقاتل تلك الأعلاج من الروم يقول : هل فارس كره النزال يعيرني * رمحا إذا نزلوا بمرج الصفر وقال أيضا ( ص 47 ) : " . . . ووهب له عمرو بن معدي كرب الصمصامة وقال حين وهبها له : خليلي لم أهبه عن قلاة * ولكن التواهب للكرام خليلي لم أخنه ولم يخني * كذلك ما خلا لي أو تدامي حبوت به كريما من قريش * فسر به وصين عن اللئام " وقال ابن حجر في الإصابة في ترجمته - : " . . . وثبت في ديوان معدى كرب : أنه مدح خالد بن سعيد بن العاص لما بعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم مصدقا عليهم بقصيدة يقول فيها : فقلت لباغي الخير إن تأت خالدا * تسر وترجع ناعم البال حامدا وأما إخوته فقد روى الحاكم في ( المستدرك : ج 3 ص 250 ) بسنده عن أحمد بن سيار يقول : " إن خالد بن سعيد بن العاص كان لأبيه سعيد عشرون ابنا وعشرون ابنة " ، ولكن المعروف أن له ثمانية أولاد ذكور ، مات منهم ثلاثة على الكفر : أحيحة قتل في الجاهلية ، والعاص ، وعبيدة ، قتلا ببدر كافرين ، وأسلم خمسة : خالد ، وعمرو ، وسعيد ، وأبان ، والحكم ، قتل سعيد مع رسول الله ( ص ) بالطائف ، وقتل خالد وعمرو وأبان بالشام ، وقتل الحكم يوم بدر شهيدا ( وقيل ) استشهد باليمامة ، و ( قيل ) استشهد يوم مؤتة . وقال ابن حجر في الإصابة في ترجمته - " كان الحكم يعلم الحكمة " . وأما مقتله استشهد ( بأجنادين ) ( 28 ) جمادى الأولى يوم السبت نصف النهار سنة 13 ه ، وقيل : بل قتل ( بمرج الصفر ) في المحرم سنة 13 ه ، أو سنة 14 ه وهو ابن خمسين أو أكثر ، على أن أهل التاريخ اختلفوا في وقعة ( أجنادين ) و ( مرج الصفر أيهما كان قبل . قاله في ( أسد الغابة ) وغيره . ويقول ابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق ( ج 5 ص 51 ، طبع الشام ) " أكثر الروايات على أنه قتل بمرج الصفر ، وهذا أصح ما قيل في موضع شهادته " ( وأجنادين ) بفتح الهمزة وسكون الجيم وفتح النون بعدها الف وكسر الدال المهملة وسكون المثناة التحية بعدها نون ، بلفظ الجمع وبلفظ المثنى - موضع بفلسطين كانت فيه الوقعة . ( ومرج الصفر ) - بضم الصاد المهملة وتشديد الفاء المفتوحة بعدها راء - : موضع بنواحي دمشق وحوران ( وقيل ) هو المعروف اليوم بأرض المرج بجهة مرج عذرا . واخبار خالد بن سعيد - هذا - كثيرة ، انظرها في طبقات ابن سعد الكبرى ومستدرك الصحيحين للحاكم النيسابوري ، والاستيعاب لابن عبد البر القرطبي والإصابة لابن حجر ، ومهذب تاريخ دمشق لابن عساكر ، وهامش المستدرك للذهبي ، والاحتجاج للطبرسي ، والدرجات الرفيعة للسيد علي خان المدني - وأسد الغابة لابن الأثير الجزري ، ومجالس المؤمنين للقاضي نور الله التستري ، وأعيان الشيعة لسيدنا الأمين العاملي ( ج 29 ص 101 - 126 ) وغيرها من المعاجم .