أبي الفرج الأصفهاني

45

الأغاني

لما هجا ابن قنبر مسلم بن الوليد أمسك عنه مسلم بعد أن أشلى [ 1 ] عليه لسانه قال : فجاءه عمّ له فقال له : يا هذا الرجل ، إنك عند الناس فوق ابن قنبر في عمود الشعر ، وقد بعث [ 2 ] عليك لسانه ثم أمسكت عنه ، فإما أن قارعته أو سالمته . فقال له مسلم : إن لنا شيخا وله مسجد يتهجّد فيه ، وله بين ذلك دعوات يدعو بهنّ ، ونحن نسأله أن يجعله من بعض دعواته ، فإنا نكفاه ، فأطرق الرجل ساعة ثم قال : غلب ابن قنبر واللئيم مغلَّب لما اتّقيت هجاءه بدعاء ما زال يقذف بالهجاء ولذعه حتى اتّقوه بدعوة الآباء ! قال : فقال له مسلم : واللَّه ما كان ابن قنبر يبلغ مني هذا كلَّه ، فأمسك لسانك عني ، وتعرّف خبره بعد هذا . قال : فبعث - واللَّه - عليه من لسان مسلم ما أسكته . هكذا جاء في الأخبار . وقد حدّثني بخبر مناقضته ابن قنبر جماعة ذكروا قصائدهما جميعا ، فوجدت في الشعر الفضل لابن قنبر عليه ، لأن له عدة قصائد لا نقائض لها ، يذكر فيها تعريده [ 3 ] عن الجواب ، وقصائد يذكر فيها أنّ مسلما فخر على قريش وعلى النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ورماه بأشياء تبيح دمه ، فكفّ مسلم عن مناقضته خوفا منها ، وجحد أشياء كان قالها فيه . فمن أخبرني بذلك هاشم بن محمد الخزاعيّ ، قال : حدّثني عبد اللَّه بن عمرو بن أبي سعد قال : حدّثني محمد بن عبد اللَّه بن الوليد مولى الأنصار ، وكان عالما بشعر مسلم بن الوليد وأخباره ، قال : سبب المهاجاة بينه وبين ابن قنبر كان سبب المهاجاة بين مسلم بن الوليد والحكم بن قنبر أنّ الطَّرمّاح بن حكيم قد كان هجا بني تميم بقصيدته الَّتي يقول فيها : لا عزّ نصر امرئ أضحى له فرس على تميم يريد النصر من أحد إذا دعا بشعار الأزد نفّرهم كما ينفّر صوت الليث بالنّقد لو حان ورد تميم ثم قيل لهم : حوض الرسول عليه الأزد ، لم ترد أو أنزل اللَّه وحيا أن يعذّبها إن لم تعد لقتال الأزد ، لم تعد وهي قصيدة طويلة ، وكان الفرزدق أجاب الطَّرماح عنها ، ثم إن ابن قنبر المازنيّ قال بعد خبر طويل يرد على الطَّرمّاح : يا عاويا هاج ليثا بالعواء له شئن البراثن ورد اللون ذا لبد [ 4 ] أيّ الموارد هابت جمّ غمرته بنو تميم على حال فلم ترد ألم ترد يوم قندابيل معلمة بالخيل تضبر نحو الأزد كالأسد [ 5 ]

--> [ 1 ] أشلى لسانه : أطلقه . [ 2 ] في مي : « بعثت » . [ 3 ] تعريده : هربه . [ 4 ] في مي : « ذا اللبد » . [ 5 ] قندابيل : مدينة بالسند . وفي ف : « قتل أبيك » بدل : « قندابيل » وضيرت القرس : جمعت قوائمها ووثبت .