أبي الفرج الأصفهاني
27
الأغاني
للَّه من هاشم في أرضه جبل وأنت وابنك ركنا [ 1 ] ذلك الجبل فقلت : لا أعرفه يا أمير المؤمنين . قال : سوءة لك من سيّد قوم يمدح بمثل هذا الشّعر ولا تعرف قائله ، وقد بلغ أمير المؤمنين فرواه ووصل قائله ، وهو مسلم بن الوليد . فانصرفت فدعوت به ووصلته وولَّيته . أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ ، والحسن بن عليّ الخفّاف ، قالا : حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ ، قال : حدّثني أبو عبد اللَّه أحمد بن محمد بن سليمان الحنفيّ ذو الهدمين ، قال : حدّثني أبي ، قال : دخل يزيد بن مزيد على الرّشيد فقال له : يا يزيد ، من الَّذي يقول فيك : لا يعبق الطَّيب خدّيه ومفرقه ولا يمسّح عينيه من الكحل قد عوّد الطَّير عادات وثقن بها فهنّ يتبعنه [ 2 ] في كلّ مرتحل يزيد بن مزيد يسمع مدحه فيه ويأمر له بجائزة فقال : لا أعرف قائله يا أمير المؤمنين . فقال له هارون : أيقال فيك مثل هذا / الشّعر ولا تعرف قائله ! فخرج من عنده خجلا ، فلما صار إلى منزله دعا حاجبه فقال له : من بالباب من الشّعراء ؟ قال : مسلم بن الوليد ، فقال : وكيف حجبته عنّي فلم تعلمني بمكانه ؟ قال : أخبرته أنّك مضيق [ 3 ] ، وأنّه ليس في يديك شيء تعطيه إياه ، وسألته الإمساك والمقام أياما إلى أن تتّسع . قال : فأنكر ذلك عليه وقال : أدخله إليّ . فأدخله إليه ، فأنشده قوله : أجررت حبل خليع في الصّبا غزل وشمّرت همم العذّال في عذلي [ 4 ] ردّ البكاء على العين الطَّموح هوّى مفرّق بين توديع ومرتحل [ 5 ] أما كفى البين أن أرمى بأسهمه حتى رماني بلحظ الأعين النّجل ! مما جنت لي - وإن كانت منّى صدقت - صبابة خلس التّسليم بالمقل [ 6 ] فقال له : قد أمرنا لك بخمسين ألف درهم ، فاقبضها واعذر . فخرج الحاجب فقال لمسلم : قد أمرني أن أرهن ضيعة من ضياعه على مائة ألف درهم ، خمسون ألفا لك وخمسون ألفا لنفقته . وأعطاه إيّاها ، وكتب صاحب الخبر بذلك إلى الرّشيد ، فأمر ليزيد بمائتي ألف درهم وقال : اقض الخمسين الَّتي أخذها الشّاعر وزده مثلها . وخذ مائة ألف لنفقتك . فافتكّ ضيعته ، وأعطى مسلما خمسين ألفا أخرى . يزوره صديق من الكوفة فيبيع خفيه ليقدم له طعاما أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف ، قال : حدّثنا محمّد بن القاسم بن مهرويه ، قال : حدّثني عليّ بن عبيد الكوفيّ ، وعليّ بن الحسن كلاهما ، قال : أخبرني عليّ بن عمرو ، قال : / حدّثني مسلم بن الوليد المعروف بصريع الغوائي قال : كنت يوما جالسا في دكان خيّاط بإزاء منزلي ، إذ
--> [ 1 ] في المختار من شعر بشار - 30 : « وأنت وابناك ركنا ذلك الجبل » . [ 2 ] في مي : « فهن يصحبنه » . [ 3 ] أضاق الرجل فهو مضيق : ضاق عليه معاشه . [ 4 ] في الديوان - 1 : « في العذل » . [ 5 ] في المختار : « ومحتمل » . وفي الديوان ط . المعارف : « هاج البكاء . . . ومحتمل » . [ 6 ] في الديوان - 3 : « مما جنى لي » .