أبي الفرج الأصفهاني

195

الأغاني

يذكر للرشيد أسباب إلحاحه في المسألة أخبرني رضوان بن أحمد ، قال : حدثنا يوسف بن إبراهيم ، قال : حدّثني أبو إسحاق إبراهيم بن المهديّ ، قال : كان أبو صدقة أسأل خلق اللَّه وألحّهم ، فقال له الرشيد : ويلك ما أكثر سؤالك ! / فقال : وما يمنعني من ذلك ، واسمي مسكين ، وكنيتي أبو صدقة ، واسم ابني صدقة ، وكانت أمي تلقّب فاقة ، واسم أبي صدقة ، فمن أحق مني بهذا ؟ . كثرة عبث الرشيد به وكان الرشيد يعبث به غبثا شديدا ، فقال ذات يوم لمسرور : قل لابن جامع وإبراهيم الموصلي وزبير بن دحمان وزلزل وبرصوصا وابن أبي مريم المديني : إذا رأيتموني قد طابت نفسي ، فليسألني كل واحد منهم حاجة ، مقدارها مقدار صلته . وذكر لكل واحد منهم مقدار [ 1 ] ذلك ، وأمرهم أن يكتموا أمرهم عن أبي صدقة ، فقال لهم مسرور ما أمره به ، ثم أذن لأبي صدقة قبل إذنه لهم ، فلما جلس قال له : يا أبا صدقة ، قد أضجرتني بكثرة مسألتك ، وأنا في هذا اليوم ضجر ، وقد أحببت أن أتفرّج وأفرح ، ولست آمن أن تنغّص عليّ مجلسي بمسألتك ، فإمّا أن أعفيتني من أن تسألني اليوم حاجة وإلا فانصرف . فقال له : يا سيدي لست أسألك في هذا اليوم ، ولا إلى شهر حاجة ، فقال له الرشيد : أما إذا شرطت لي هذا على نفسك ، فقد اشتريت منك حوائجك بخمسمائة دينار ، وها هي ذه فخذها هنيئة معجلة ، فإن سألتني شيئا بعدها في هذا اليوم ، فلا لوم عليّ إن لم أصلك سنة بشيء . فقال له : نعم ، وسنتين . فقال له الرشيد : زدني في الوثيقة ، فقال : قد جعلت أمر أمّ صدقة في يدك ، فطلَّقها متى شئت ، إن شئت واحدة ، وإن شئت ألفا إن سألتك في يومي هذا حاجة . وأشهد [ 2 ] اللَّه ومن حضر على ذلك ، فدفع إليه المال ، ثم أذن للجلساء والمغنين فحضروا ، وشرب القوم . فلما طابت نفس الرشيد قال له ابن جامع : يا أمير المؤمنين ، قد نلت منك ما لم تبلغه أمنيّتي ، وكثر إحسانك إليّ حتى كبتّ أعدائي وقتلتهم . وليست لي بمكة دار تشبه / حالي ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لي بمال أبني به دارا ، وأفرشها بباقيه لأفقأ عيون أعدائي وأزهق نفوسهم - فعل ، فقال : وكم قدّرت لذلك ؟ قال : أربعة آلاف دينار ، فأمر له بها . ثم قام إبراهيم الموصليّ فقال له : قد ظهرت نعمتك عليّ وعلى أكابر ولدي ، وفي أصاغرهم من قد بلغ ، وأريد تزويجه ، ومن أصاغرهم من أحتاج إلى أن أطهره ، ومنهم صغار أحتاج إلى أن أتخذ لهم خدما ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يحسن معونتي على ذلك فعل ، فأمر له بمثل ما أمر لابن جامع ، وجعل كلّ [ 3 ] واحد منهم يقوم فيقول من الثناء ما يحضره ، ويسأل حاجة على قدر جائزته ، وأبو صدقة ينظر إليهم وإلى الأموال تفرّق يمينا وشمالا ، فوثب على رجليه قائما ، وقال للرشيد : يا سيدي ، أقلني ، أقال اللَّه عثرتك ! فقال له الرشيد : لا أفعل ، فجعل يستحلفه ويضطرب [ 4 ] ويلحّ ، والرشيد يضحك ويقول : ما إلى ذلك سبيل ، الشرط أملك .

--> [ 1 ] في التجريد : « مبلغ » . [ 2 ] ف : « وأشهدت اللَّه » . [ 3 ] كذا في التجريد ، وفي س : « لكل » ، وهو تحريف . [ 4 ] كذا في التجريد ، وفي س : « يضرب » ، وهو تحريف .