أبي الفرج الأصفهاني
164
الأغاني
اشتراه يوما بعلفة يوم أصبحت عنده [ 1 ] الدواب صياما فاتصلت الأبيات وخبرها بحزام ، فخشي أن تشتهر ويسمعها المعتصم فيأتي عليه ؛ فبعث بالغلام إلى عبد اللَّه ، وسأله أن يمسك عن الأبيات ، ففعل . إبراهيم الموصلي يغني أمام الرشيد لحنا من صنعته فيرسل إليه ويلازمه حدّثني الصّوليّ ، قال : حدّثني الحسين بن يحيى ، قال : قلت لعبد اللَّه بن العبّاس : إنه بلغني لك خبر مع الرّشيد أول ما شهرت بالغناء ، / فحدّثني به ، قال : نعم أول صوت صنعته : أتاني يؤامرني في الصّبو ح ليلا فقلت له : غادها فلما تأتّى [ 2 ] لي وضربت عليه بالكنكلة ؛ عرضته على جارية لنا يقال لها راحة ، فاستحسنته وأخذته عنّي ، وكانت تختلف إلى إبراهيم الموصليّ ، فسمعها يوما تغنّيه وتناغي [ 3 ] به جارية من جواريه ، فاستعادها إيّاه وأعادته عليه ، فقال لها : لمن هذا ؟ فقالت : صوت قديم ، فقال لها : كذبت ، لو كان قديما لعرفته ، وما زال يداريها ويتغاضب عليها حتى اعترفت له بأنّه من صنعتي ، فعجب من ذلك ، ثم غنّاه يوما بحضرة الرشيد ، فقال له : لمن هذا اللَّحن يا إبراهيم ؟ فأمسك عن الجواب وخشي أن يكذبه فينمي الخبر إليه من غيره ، وخاف من جدّي أن يصدقه ، فقال له : ما لك / لا تجيبني ؟ فقال : لا يمكنني يا أمير المؤمنين ، فاستراب بالقصّة ، ثم قال : واللَّه ، وتربة المهديّ لئن لم تصدقني لأعاقبنّك عقوبة موجعة ، وتوهّم أنّه لعليّة أو لبعض حرمه فاستطير غضبا ، فلما رأى إبراهيم الجدّ منه صدقه فيما بينه وبينه سرّا ، فدعا لوقته الفضل بن الرّبيع ثم قال له : أيصنع ولدك غناء ويرويه الناس ولا تعرّفني ؟ فجزع وحلف بحياته وبيعته أنه ما عرف ذلك قطَّ ، ولا سمع به إلا في وقته ذلك ، فقال له : ابن [ 4 ] ابنك عبد اللَّه بن العبّاس أحضرنيه السّاعة ، فقال : أنا أمضي وأمتحنه ، فإن كان يصلح للخدمة أحضرته ، وإلَّا كان أمير المؤمنين أولى من ستر عورتنا ، فقال : لا بدّ من إحضاره . فجاء جدّي فأحضرني وتغيّظ عليّ ، فاعتذرت وحلفت له أن هذا شيء ما تعمّدته ، وإنما غنّيت لنفسي ، وما أدري من أين خرج ، فأمر بإحضار عود فأحضر ، وأمرني فغنّيته الصوت ، فقال : قد عظمت مصيبتي فيك يا بنيّ ، فحلفت له بالطلاق والعتاق ألَّا أقبل على الغناء رفدا أبدا ، ولا أغنّي إلا خليفة أو وليّ عهد ، ومن لعلَّه أن يكون حاضرا مجالسهم ، فطابت نفسه . فأحضرني [ 5 ] ، فغنّيت الرشيد الصوت فطرب وشرب عليه أقداحا ، وأمرني بالملازمة مع الجلساء ، وجعل لي نوبة ، وأمر بحمل عشرة آلاف دينار إلى جدّي ، وأمره أن يبتاع ضيعة لي بها ، فابتاع لي ضيعتي بالأهواز ، ولم أزل ملازما للرّشيد حتى خرج إلى خراسان ، وتأخرت عنه وفرّق الموت بيننا .
--> [ 1 ] ف : « أصبحت غبّه » . [ 2 ] ف : « فلما دار لي » . [ 3 ] ف : « وتعايي » . [ 4 ] ف : « أين ابنك عبد اللَّه بن العباس » . [ 5 ] ف : « فأحضرت » .