أبي الفرج الأصفهاني

117

الأغاني

لو أنّها قبّة الإسلام ما ساوت ألف درهم . فقيل له : إن معها جبّة وشي حشوها قزّ قيمتها عشرون ألف دينار ، فقال : أمّه زانية لو أنّ حشوها زغب أجنحة الملائكة ما ساوت عشرين دينارا . أشعب ورجل من ولد عامر بن لؤي أخبرني عمّي ، قال : حدّثني أبو أيوب المدائنيّ ، قال : حدّثني مصعب بن عبد اللَّه الزّبيري ، عن أبيه ، قال : حدّثني أشعب ، قال : ولي المدينة رجل من ولد عامر بن لؤيّ ، وكان أبخل النّاس وأنكدهم [ 1 ] ، وأغراه اللَّه بي يطلبني في ليله ونهاره ، فإن هربت منه هجم على منزلي بالشّرط ، وإن كنت في موضع بعث إلى من أكون معه أو عنده يطلبني منه ، فيطالبني بأن أحدّثه وأضحكه ، ثم لا أسكت ولا ينام [ 2 ] ، ولا يطعمني ولا يعطيني شيئا ، فلقيت منه جهدا عظيما وبلاء شديدا . وحضر الحجّ ، فقال لي : يا أشعب ، كن معي ، فقلت : بأبي أنت وأمي ، أنا عليل ، وليست لي نية في الحج . فقال : عليه وعليه ، وقال : إن الكعبة بيت النّار ، لئن لم تخرج معي لأودعنّك الحبس حتى أقدم ، فخرجت معه مكرها ، فلما نزلنا المنزل أظهر أنّه صائم ونام حتى تشاغلت ، ثم أكل ما في سفرته ، وأمر غلامه أن يطعمني رغيفين بملح ، فجئت وعندي أنّه صائم ، ولم أزل أنتظر المغرب / أتوقّع إفطاره ، فلما صلَّيت المغرب قلت لغلامه : ما ينتظر بالأكل ؟ قال : قد أكل منذ زمان ، قلت : أو لم يكن صائما ؟ قال : لا ، قلت : أفأطوي أنا ؟ قال : قد أعدّ لك ما تأكله فكل ، وأخرج إليّ الرّغيفين والملح فأكلتهما وبتّ ميّتا جوعا ، وأصبحت فسرنا حتى نزلنا المنزل ، فقال لغلامه : ابتع لنا لحما بدرهم ، فابتاعه ، فقال : كبّب لي قطعا ، ففعل ، فأكله ونصب القدر ، فلما اغبرّت قال : اغرف لي منها قطعا ، ففعل ، فأكلها ، ثم قال : اطرح فيها دقّة وأطعمني منها ، ففعل ، ثم قال : ألق توابلها وأطعمني منها ، ففعل ؛ وأنا جالس أنظر إليه لا يدعوني ، فلما استوفى اللَّحم كلَّه قال : يا غلام ، أطعم أشعب ، ورمى إليّ برغيفين ، فجئت إلى القدر وإذا ليس فيها إلا مرق وعظام ، فأكلت الرّغيفين ، وأخرج له جرابا فيه فاكهة يابسة ، فأخذ منها حفنة فأكلها ، وبقي في كفّه كفّ لوز بقشره ، ولم يكن له فيه حيلة ، فرمى به إليّ وقال : كل هذا يا أشعب ، فذهبت أكسر واحدة منها فإذا بضرسي قد انكسرت منه قطعة فسقطت / بين يديّ ، وتباعدت أطلب حجرا أكسره به ، فوجدته ، فضربت له لوزة فطفرت - يعلم اللَّه - مقدار رمية حجر ، وعدوت في طلبها ، فبينما أنا في ذلك إذ أقبل بنو مصعب - يعني ابن ثابت وإخوته - يلبّون بتلك الحلوق الجهوريّة ، فصحت بهم : الغوث الغوث العياذ باللَّه وبكم يا آل الزّبير ، الحقوني أدركوني ، فركضوا إليّ ، فلما رأوني قالوا : أشعب ، ما لك ويلك ! قلت : خذوني معكم تخلَّصوني من الموت ، فحملوني معهم ، فجعلت أرفرف بيدي كما يفعل الفرخ إذا طلب الزّقّ من أبويه ، فقالوا : ما لك ويلك ! قلت : ليس هذا وقت الحديث ، زقّوني مما معكم ، فقد متّ ضرّا وجوعا منذ ثلاث ، قال : فأطعموني حتى تراجعت نفسي ، وحملوني معهم في محمل ، ثم قالوا : أخبرنا بقصّتك ، فحدّثتهم وأريتهم ضرسي المكسورة ، فجعلوا يضحكون / ويصفّقون وقالوا : ويلك ! من أين وقعت على هذا ؟ هذا من أبخل خلق اللَّه وأدنئهم نفسا ، فحلفت بالطَّلاق أني لا أدخل المدينة ما دام له بها سلطان ، فلم أدخلها حتى عزل .

--> [ 1 ] مد : « وأنكرهم » . [ 2 ] ف : « ولا أنام » .