السيد علي الطباطبائي
7
رياض المسائل
فيها إلا فئة قليلة مشردة الأذهان . وكان القتلى في الطرقات كأنها التلال ، ولما نودي بالأمان خرج من تحت الأرض من اختفوا في المطامير والمقابر ومن لجأ إلى الآبار والحشائش كأنهم الموتى قد نبشت قبورهم ، وقد أنكر بعضهم البعض فلم يعرف الأب ابنه ولا الأخ أخاه ، ثم انتشر الوباء فحصدهم بمنجله حصدا ذريعا وفسد الهواء وعم الوباء ( 1 ) . وأما ما حل بخزائن العلم من المكاتب والمدارس في بغداد فحدث ولا حرج ، فقد كانت بغداد مركزا من أعظم مراكز الاشعاع الفكري في العالم كله في ذلك التاريخ من دون مبالغة ، وقد أحرق التتار كلما وجدوا في بغداد من علم ومن مراكز للعلم ، كما قتلوا كل من عثروا عليه من العلماء أو كل من كان في بغداد من العلماء ، وليس بإمكان أحد أن يقدر ضخامة الخسارة التي لحقت بالفكر والثقافة الاسلامية والبشرية في هذه النكبة . يقول قطب الدين الحنفي : تراكمت الكتب التي ألقاها التتار في نهر دجلة حتى صارت معبرا يعبر عليه الناس والدواب واسودت مياه دجلة بما القي فيها من الكتب ( 2 ) ولنقرأ لتقي الدين ابن أبي اليسر هذه النفثة من شعره في بغداد : لسائل الدمع عن بغداد أخبار * فما وقوفك والأحباب قد ساروا يا زائرين إلى الزوراء لا تفدوا * فما بذاك الحمى والدار ديار تاج الخلافة والربع الذي شرفت * به العالم قد عفاه أقفار أضحى لعصف البلى في ربعه أثر * وللدموع على الآثار آثار يا نار قلبي نار لحرب وغى * شبت عليه ووافى الربع أعصار
--> ( 1 ) تاريخ الاسلام للدكتور حسن إبراهيم : 4 / 160 - 161 عن الحوادث الجامعة في أعيان المائة السابعة ص 330 و 331 ( 2 ) تاريخ التمدن الاسلامي للدكتور گوستاف لوبون ترجمة السيد هاشم الحسن ( ترجمة فارسية 1358 ) : ص 214 .