السيد علي الطباطبائي
109
رياض المسائل
الدماء المحقونة بغير سبب معلوم أو مظنون ممنوع شرعاً ، لأنّ كلّ واحدة من البيّنتين مكذّبة للأُخرى ، وإنّما أوجبنا الدية عليهما لئلاّ يطلّ دم امرئ مسلم قد ثبت أنّ قاتله أحدهما ، لكن لجهلنا بالتعيين أسقطنا القود الّذي هو أقوى العقوبتين وأوجبنا أخفّهما . ولمانع أن يمنع سقوط البيّنتين عند تعارضهما بعدم إمكان العمل بهما وعدم المرجّح للعمل بإحداهما ، بل هنا احتمال ثالث وهو تخيير الوليّ بينهما كما ذكروه في تعارض الإقرارين بالقتل عمداً في أحدهما وفي الثاني بالخطأ ، ودلّ عليه النصّ الّذي مضى مع تأيّده بما عليه الأصحاب ، ودلّ عليه بعض الأخبار ، مضافاً إلى الاعتبار من التخيير بين الخبرين المتعارضين مثلا بحيث لا يترجّح أحدهما على الآخر أصلا . ومن جميع ما ذكر ولو بضمّ بعضه إلى بعضه لعلّه يحصل الظنّ بجواز قتل من شهدت عليه إحدى البيّنتين ممّن اختاره الأولياء ، فليس فيه التهجّم على الدماء الممنوع عنه شرعاً . وحينئذ فلا يبعد المصير إلى ما عليه الحلّي ( 1 ) من التخيير ، وإن كان ما ذكره من الأدلّة كلّها أو جلّها لا يخلو عن مناقشة ، لكن شهرة ما عليه الشيخان ( 2 ) ، مع قوّة احتمال استنادهما إلى رواية كما هو السجيّة لهما والعادة ، ونبّه عليه شيخنا في المسالك ( 3 ) ، وادّعى وجودها لهما الحلّي في السرائر ( 4 ) والفاضل في التحرير ( 5 ) أوجب التردّد في المسألة . فينبغي الرجوع فيها إلى مقتضى الأصل ، وهو عدم القود ، بل وعدم الدية أيضاً ، كما حكي عن الشيخ ( رحمه الله ) أنّه احتمله ، قال : لتكاذب البيّنتين ، ووجود شبهة دارئة للدعوى ( 6 ) .
--> ( 1 ) السرائر 3 : 342 - 343 . ( 2 ) المقنعة : 737 ، النهاية 3 : 374 . ( 3 ) المسالك 15 : 190 - 192 . ( 4 ) السرائر 3 : 342 - 343 . ( 5 ) التحرير 2 : 251 س 29 . ( 6 ) مجمع الفائدة 14 : 172 .