السيد علي الطباطبائي

65

رياض المسائل

في هذه الفترة انتعش التشيع وامتد وانتشر في بلاد الشام ، ثم تلا هذه الفترة حكم الأيوبيين الذين استلموا الحكم من الفاطميين وحكوا مصر والشام وجددوا اضطهاد الشيعة في بلاد مصر والشام معا ، مما أدى إلى ضمور كبير للحالة الشيعية في مصر والشام ، ثم جاء من بعدهم المماليك عام 648 ليواصلوا نفس السياسة التي مارسها سلفهم الأيوبيون في اضطهاد الشيعة والتضيق عليهم في بلاد الشام ، وكانت أيامهم من أشق الفترات على شيعة الشام . وكان المماليك يتخذون من فتاوى ابن التيمية ذريعة للفتك بالشيعة وإباحة دمائهم ، وأدى ذلك إلى أن يحتمي طائفة منهم بالجبال والمناطق الجبلية ليحموا أنفسهم من فتك النظام وبطشه ، ويتظاهر طائفة منهم بالانتماء إلى المذاهب السنية ليحمي نفسه وذويه من بطش الحكام . ونتج عن ذلك ضمور للتشيع في بلاد الشام واختفاء معالمه الفكرية والثقافية . فقد فقدت الطائفة الأولى بالتدريج انتماءها الفكري والعملي للتشيع ، ولذلك أسموهم بالشيعة المتخاذلة أو المتستين . وأما الطائفة الثانية فقد شاع فيها الجهل نتيجة البعد والانقطاع عن مراكز العلم . في مثل هذه الظروف الصعبة في عصر المماليك حاول الشهيد الأول أن يوصل جبل عامل بمدرسة الحلة وينقل إليها العلم والفقاهة والفكر ، ويجعل من جبل عامل مدرسة للفقاهة والثقافة الإمامية مستفيدا من موقعها الجغرافي الذي يمنحها حصانة طبيعية في مقابل تعدي المماليك . وكانت مدرسة ( جزين ) التي أنشأها الشهيد الأول في جبل عامل بذرة لشجرة طيبة نمت فيما بعد وأثمرت واتسعت واستتبعت مدارس فقهية أخرى في مناطق كثيرة من جبل عامل . ورغم أن الشهيد الأول نفسه الذي أنشأ هذه المدرسة ذهب ضحية فتنة طائفية أوجدها المماليك في الشام واستشهد على يد " بيد مر " أحد ولاة المماليك على الشام إلا أن العلم انتشر في جبل عامل ، وتعددت مراكز العلم