جورج جرداق

146

روائع نهج البلاغة

ولقد نظرت فما وجدت أحدا من العاملين يتعصب لشئ من الأشياء إلا عن علة تحتمل تمويه الجهلاء أو حجة تليط بعقول السفهاء ، غيركم ، فإنكم تتعصبون لأمر لا يعرف له سبب ولا علة : أما إبليس فتعصب على آدم لأصله ، وطعن عليه في خلقته ، فقال : ( أنا ناري وأنت طيني ! ) وأما الأغنياء من مترفة الأمم فتعصبوا لآثار مواقع النعم فقالوا : ( نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين ! ) فإن كان لا بد من العصبية فليكن تعصبكم لمكارم الخصال ومحامد الأفعال ومحاسن الأمور التي تفاضلت فيها المجداء والنجداء بالأخلاق الرغيبة والأحلام العظيمة ، فتعصبوا لخلال الحمد : من الحفظ للجوار والوفاء بالذمام ، والطاعة للبر ، والمعصية للكبر ، والكف عن البغي ، والإعظام للقتل ، والإنصاف للخلق ، والكظم للغيظ ، واجتناب الفساد في والأرض . واحذروا ما نزل بالأمم قبلكم من المثلات ( 1 ) بسوء الأفعال وذميم الأعمال ، فتذكروا في الخير والشر أحوالهم واحذروا أن تكونوا أمثالهم . ألا وقد أمرني الله بقتال أهل البغي والنكث ( 2 ) والفساد في الأرض : فأما الناكثون فقد قاتلت . وأما القاسطون فقد جاهدت ( 3 ) . وأما المارقة

--> 1 - المثلات : العقوبات . 2 - النكث : نقض العهد . 3 - القاسطون : الجائرون على الحق .