السيد محمد باقر الداماد ( الميرداماد )

228

الرواشح السماوية

وإمّا بالكاف بمعنى التمصمص بالمهملتين ، ومعناه الاغتسال من الدَنَس للتنظّف والتطهّر ، كغسل الجمعة وسائر الأغسال المسنونة لِلنظافة لا لرفع الحدث ، وأصله من مَصْمَصَ إناءه : إذا غسله وجعل فيه الماء وحرّكه للتنظيف . وفي الحديث : " القتل في سبيل الله مُمْصِمصةٌ " . ( 1 ) أي مطهّرة من دنس الخطايا ، افتعالاً من السوك . واستياك الشيء وتسويكه : دَلْكه وتحريكه ، وتساوكت الإبل : إذا اضطربت أعناقها من الهزال ، فهي تتمايل من ضعفها ، وجاءت الإبل ما تَساوَكُ ( 2 ) هزالاً أي ما تتحرّك رؤوسها . فهذا سبيل التحصيل في تحقيق هذه اللفظة وتفسيرها . وإنّ جماهير المتكلّفين القاصرين من بني زمننا هذا تجشّموا تكلّفاً متوعّراً جدّاً فأخذوها من السواك ، وذلك معروف كالتسوّك ، يقال : استاك وتسوَّك : إذا ساك فاه بالمسواك . ثمّ جعلوا الاستياك هذا بمعنى التمضمض - بالمعجمتين - أي المضمضة في الوضوء لمناسبة السواك ؛ إذ كما السواك من مسنونات الوضوء ، فكذلك المضمضة والاستنشاق من مسنوناته . ولعمري إنّ هذه أُعجوبة من الأعاجيب ، فأين الثَكْلى على واحدتها حتّى تضحك منها وتلتهيَ بذلك عن فجيعة رزيّتها ؟ ومنها أُوردت في كتاب شرح التقدمة روايةَ عبد الله بن مسعود قال النبيّ ( صلى الله عليه وسلم ) : يا ابن مسعود إنّه قد نزلت عليَّ آيةُ ( وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً ( 3 ) ) . وأنا مستودعكها ومُسَمّ لك خاصّةً الظَلَمَةَ ، فكن لما أقول لك واعياً ، وعنّي له مؤدّياً ، من ظلم عليّاً مجلسي هذا ، كان كمن جحد نبوَّتي ونبوّة من كان قبلي . قال له الراوي : يا أبا عبد الرحمن ! أسَمعتَ هذا من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ قال : نعم ، قال ، قلت : كيف وآتَيْتَ الظالمين ؟ قال : لاجرم جُلِّيتُ عقوبة عملي وذلك أنّي لم استأذن إمامي كما استأذنه جندب وعمّار وسلمان ، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه .

--> 1 . النهاية في غريب الحديث والأثر 4 : 337 ، ( م . ص . م . ص ) . 2 . أي : تتساوك . 3 . الأنفال ( 8 ) : 25 .