أبي الفرج الأصفهاني

91

الأغاني

قوم المغيرة يلومونه في احتماله إياه فنزل المغيرة ودخل القصر ، فاستأذن عليه قومه ، ودخلوا ولاموه / في احتماله حجرا ، فقال لهم : إني قد قتلته . قالوا : وكيف ذلك ! ؟ قال : إنه سيأتي أمير بعدي فيحسبه مثلي فيصنع به شبيها بما ترونه ، فيأخذه عند أوّل وهلة فيقتله شرّ قتلة . إنه قد اقترب أجلي ، وضعف عملي ، وما أحبّ أن أبتدىء أهل هذا المصر بقتل خيارهم وسفك دمائهم ، فيسعدوا بذلك وأشقى ، ويعزّ معاوية في الدنيا ويذلّ المغيرة في الآخرة ، سيذكرونني لو قد حرّبوا العمّال . قال الحسن بن عقبة : فسمعت شيخا من الحيّ يقول : قد واللَّه جرّبناهم فوجدناه خيرهم . زياد يذكره بصداقته ويحذره ما كان يفعل مع المغيرة قال : ثم هلك المغيرة سنة خمسين ، فجمعت الكوفة والبصرة لزياد ، فدخلها ، ووجّه إلى حجر فجاءه ، وكان له قبل ذلك صديقا ، فقال له : قد بلغني ما كنت تفعله بالمغيرة فيحتمله منك ؛ وإني واللَّه لا أحتملك [ 1 ] على مثل ذلك أبدا ، أرأيت ما كنت تعرفني به من حبّ عليّ وودّه ، فإنّ اللَّه قد سلخه من صدري فصيّره بغضا وعداوة ، وما كنت تعرفني به من بغض معاوية وعداوته فإنّ اللَّه قد سلخه من صدري وحوّله حبّا ومودّة / وإني أخوك الذي تعهد ، إذا أتيتني وأنا جالس للناس فاجلس معي على مجلسي ، وإذا أتيت ولم أجلس للناس فاجلس حتى أخرج إليك ، ولك عندي في كل يوم حاجتان : حاجة غدوة ، وحاجة عشيّة ، إنك إن تستقم تسلم لك دنياك ودينك ، وإن تأخذ يمينا وشمالا تهلك نفسك وتشط [ 2 ] عندي دمك ، إني لا أحبّ التنكيل قبل التقدمة ، ولا آخذ بغير حجّة ، اللهم أشهد . فقال حجر : لن يرى الأمير منّي إلَّا ما يحبّ ، وقد نصح ، وأنا قابل نصيحته . ثم خرج من عنده ، فكان يتّقيه ويهابه ، وكان زياد يدنيه ويكرمه ويفضّله ، والشيعة تختلف إلى حجر وتسمع منه . زياد ينذره قبل خروجه إلى البصرة وكان زياد يشتو بالبصرة ، ويصيف بالكوفة ، ويستخلف على البصرة سمرة بن جندب ، وعلى الكوفة عمرو بن حريث ، فقال له عمارة بن عقبة : إنّ الشيعة تختلف إلى حجر ، وتسمع منه ، ولا أراه عند خروجك إلَّا ثائرا ، فدعاه زياد فحذّره ووعظه . وخرج إلى البصرة ، واستعمل عمرو بن حريث ، فجعلت الشيعة تختلف إلى حجر ، ويجيء حتى يجلس في المسجد فتجتمع إليه الشيعة ، حتى يأخذوا ثلث المسجد أو نصفه ، وتطيف بهم النظَّارة ، ثم يمتلئ المسجد ، ثم كثروا ، وكثر لغطهم ، وارتفعت أصواتهم بذمّ معاوية وشتمه ونقص [ 3 ] زياد . وبلغ ذلك عمرو بن حريث ، فصعد المنبر ، واجتمع إليه أشراف أهل المصر فحثّهم على الطاعة والجماعة . وحذّرهم الخلاف ؛ فوثب إليه عنق [ 4 ] من أصحاب حجر يكبّرون ويشتمون ، حتى دنوا / منه ، فحصبوه وشتموه حتى نزل ودخل القصر ، وأغلق عليه بابه ، وكتب إلى زياد بالخبر ، فلما أتاه أنشد يتمثّل بقول كعب بن مالك :

--> [ 1 ] في م : « احتمله » . [ 2 ] أشاط دمه : عرضه للقتل . [ 3 ] في م : « وقصف زياد » ، والقصف معناه الكسر ، يريد الانتقاص . [ 4 ] العنق : الجماعة من الناس .