أبي الفرج الأصفهاني

9

الأغاني

وإلينا . قال : فمروه أن يعوذ بقبر معاوية بن هشام بدير [ 1 ] حنيناء . فمضى الكميت ، فضرب فسطاطه عند قبره ، ومضى عنبسة فأتى مسلمة بن هشام ، فقال له : يا أبا شاكر ، مكرمة أتيتك بها تبلغ الثّريّا إن اعتقدتها ، فإن اعتقدتها ، فإن علمت أنك تفي بها وإلَّا كتمتها . قال : وما هي ؟ فأخبره الخبر ، / وقال : إنه قد مدحكم عامّة ، وإياك خاصة بما لم يسمع بمثله . فقال : عليّ خلاصه . مسلمة بن هشام يطلب الأمان له فدخل على أبيه هشام وهو عند أمّه في غير وقت دخول ، فقال هشام : أجئت لحاجة ؟ قال : نعم ، قال : هي مقضيّة إلَّا أن يكون الكميت . فقال : ما أحبّ أن تستثني عليّ في حاجتي ، وما أنا والكميت ! فقالت أمّه : واللَّه لتقضينّ حاجته كائنة ما كانت . قال : قد قضيتها ولو أحاطت بما بين قطريها . قال : هي الكميت يا أمير المؤمنين ، وهو آمن بأمان اللَّه عزّ وجل وأماني ، وهو شاعر مضر ، / وقد قال فينا قولا لم يقل مثله ، قال : قد أمّنته ، وأجزت أمانك له ، فاجلس له مجلسا ينشدك فيه ما قال فينا . هشام يعقد له مجلسا يسمع فيه مدائحه في بني أمية فعقد له ، وعنده الأبرش الكلبيّ ، فتكلَّم بخطبة ارتجلها ما سمع بمثلها قطَّ ، وامتدحه بقصيدته الرّائية ، ويقال : إنه قالها ارتجالا ، وهي قوله : قف بالديار وقوف زائر [ 2 ] فمضى فيها حتى انتهى إلى قوله : ماذا عليك من الوقو ف بها وأنك غير صاغر درجت عليها الغاديا ت الرّائحات من الأعاصر وفيها يقول : فالآن صرت إلى أميّة والأمور إلى المصاير وجعل هشام يغمز مسلمة بقضيب في يده ، فيقول : اسمع ، اسمع . / ثم استأذنه في مرثيّة ابنه معاوية ، فأذن له ، فأنشده قوله [ 3 ] : سأبكيك للدّنيا وللدّين إنني رأيت يد المعروف بعدك شلَّت فدامت عليك بالسلام تحية ملائكة اللَّه الكرام وصلَّت فبكى هشام بكاء شديدا ، فوثب الحاجب فسكَّته . ثم جاء الكميت إلى منزله آمنا ، فحشدت له المضريّة بالهدايا ، وأمر له مسلمة بعشرين ألف درهم ، وأمر له

--> [ 1 ] دير حنيناء : من أعمال دمشق . ( ياقوت ) . [ 2 ] صدر بيت ، وعجزة : وتأيّ إنّك غير صاغر وتأي : تلبث وأمكث . [ 3 ] الهاشميات 93 .