أبي الفرج الأصفهاني

53

الأغاني

5 - ذكر بذل وأخبارها من مولدات المدينة ولها كتاب أغان كانت بذل صفراء مولَّدة من مولَّدات المدينة ، وربّيت بالبصرة ، وهي إحدى المحسنات المتقدّمات ، الموصوفات بكثرة الرّواية ، يقال : إنها كانت تغنّي ثلاثين ألف صوت . ولها كتاب في الأغاني منسوب الأصوات غير مجنّس ، يشتمل على اثني عشر ألف صوت ، يقال : إنها عملته لعليّ بن هشام . وكانت حلوة الوجه ظريفة ، ضاربة متقدّمة ، وابتاعها جعفر بن موسى الهادي ، فأخذها منه محمد الأمين ، وأعطاه مالا جزيلا ، فولدهما جميعا يدّعون ولاءها . فأخذت بذل عن أبي سعيد مولى فائد ودحمان وفليح وابن جامع وإبراهيم ، وطبقتهم . أروى خلق اللَّه للغناء وقرأت على جحظة ، عن أبي حشيشة في كتابه الذي جمعه من أخباره وما شاهده ، / قال : كانت بذل من أحسن الناس غناء في دهرها ، وكانت أستاذة كلّ محسن ومحسنة ، وكانت صفراء مدنية ، وكانت أروى خلق اللَّه تعالى للغناء ، ولم يكن لها معرفة . احتيال الأمين في أخذها وكانت لجعفر بن موسى الهادي ، فوصفت لمحمد بن زبيدة ، فبعث إلى جعفر يسأله أن يريه إيّاها ، فأبى ، فزاره محمد إلى منزله ، فسمع شيئا لم يسمع مثله ، فقال لجعفر : يا أخي ، بعني هذه الجارية . فقال : يا سيّدي ، مثلي لا يبيع جارية ، قال : فهبها لي ، قال : هي مدبّرة [ 1 ] . فاحتال عليه محمد حتى أسكره ، وأمر ببذل فحملت معه إلى الحرّاقة ، وانصرف بها . / فلما انتبه سأل عنها فأخبر بخبرها ، فسكت ، فبعث إليه محمد من الغد ، فجاءه وبذل جالسة فلم يقل شيئا . فلما أراد جعفر أن ينصرف قال : أوقروا حرّاقة ابن عمّي دراهم ، فأوقرت . قال : فحدثني عبد اللَّه بن الحنينى - وكان أبوه على بيت مال جعفر بن موسى - أنّ مبلغ ذلك المال كان عشرين ألف ألف درهم . قال : وبقيت بذل في دار محمد إلى أن قتل ، ثم خرجت ، فكان ولد جعفر وولد محمد يدّعون ولاءها . فلما ماتت ورثها ولد عبد اللَّه بن محمّد بن زبيدة .

--> [ 1 ] المدبرة : المعتقة بعد الموت . وفي هامش أ : « المدبر من الرقيق : الذي يقول له سيده بعد الموت : أنت حر بعد دبر مني » ، أي بعد وفاتي .