أبي الفرج الأصفهاني
240
الأغاني
كان رجل يقال له أبو الخيبريّ مرّ في نفر من قومه بقبر حاتم ، وحوله أنصاب متقابلات من حجارة كأنهنّ نساء نوائح . قال : فنزلوا به ، فبات أبو الخيبريّ ليلته كلَّها ينادي : أبا جعفر أقر أضيافك . قال : فيقال له : مهلا ؛ ما تكلَّم من رمّة [ 1 ] بالية ! فقال : إنّ طيئا يزعمون أنه لم ينزل به أحد [ 2 ] إلَّا قراه . قال : فلما كان من آخر الليل نام أبو الخيبريّ ، حتى إذا كان في السّحر وثب فجعل يصيح : وا رحلتاه ! فقال له أصحابه : ويلك ! ما لك ! قال : خرج واللَّه حاتم بالسيف وأنا أنظر إليه حتى عقر ناقتي ، قالوا : كذبت ، قال : بلى ، فنظروا إلى راحلته فإذا هي منخزلة [ 3 ] لا تنبعث ، فقالوا : قد واللَّه قراك . فظلَّوا يأكلون من لحمها ، ثم أردفوه ، فانطلقوا فساروا / ما شاء اللَّه ، ثم نظروا إلى راكب فإذا هو عديّ بن حاتم راكبا قارنا جملا أسود ، فلحقهم ، فقال : أيّكم أبو الخيبريّ ؟ فقالوا : هو هذا ، فقال : جاءني أبي في النوم ، فذكر لي شتمك إياه ، وأنه قرى راحلتك لأصحابك [ 4 ] ، وقد قال في ذلك أبياتا ، وردّدها حتى حفظتها ؛ وهي [ 5 ] : أبا خيبريّ [ 6 ] وأنت امرؤ ظلوم العشيرة شتّامها فماذا [ 7 ] أردت إلى رمّة ببادية صخب هامها [ 8 ] تبغّي أذاها وإعسارها وحولك غوث وأنعامها [ 9 ] وإنّا لنطعم أضيافنا من الكوم بالسّيف نعتامها [ 10 ] وقد أمرني أن أحملك على جمل فدونكه ، فأخذه وركبه ، وذهبوا [ 11 ] . حاتم يطلق قومه من أسر الحارث بن عمرو / أغارت [ 12 ] طيىء على إبل للنعمان بن الحارث بن أبي شمر الجفنيّ ، ويقال : هو الحارث بن عمرو ، رجل من بني جفنة ، وقتلوا ابنا له . وكان الحارث إذا غضب حلف ليقتلنّ وليسبينّ الذّراريّ ، فحلف ليقتلنّ من بني الغوث أهل بيت على دم واحد ، فخرج يريد طيئا ، فأصاب من بني عديّ بن أخزم سبعين رجلا [ 13 ] رأسهم وهم بن عمرو من رهط حاتم - وحاتم يومئذ بالحيرة عند / النعمان - فأصابتهم مقدمات [ 14 ] خيله . فلما قدم حاتم الجبلين جعلت
--> [ 1 ] الرمة : العظم البالي ، وجمعه رمم . [ 2 ] ف : « لم ينزل به أحد وهو ميت إلا قراه » . [ 3 ] منخزلة : منقطعة ، وفي ف والمختار : « مختزلة » . [ 4 ] ف : « وأنه أقرى راحلتك أصحابك » . [ 5 ] ديوانه 18 ، 11 . [ 6 ] في الديوان : « أبا الخيبري » . [ 7 ] في أ : « ماذا » ، والمثبت من ف . [ 8 ] أ : « ببادية صخب هامها » ، وفي ف : « بداوية صيحت هامها » . وفي الديوان : « بداوية صخب هامها » . [ 9 ] ف والمختار : « عوف وأنعامها » . [ 10 ] الكوم : جمع كوماء ؛ وهي الناقة العظيمة السنام . [ 11 ] في الديوان : « وذهب » . [ 12 ] ديوانه 13 . [ 13 ] في الديوان : « من أخزم تسعين رجلا » . [ 14 ] ف : « معربات » ، وفي الديوان : « فأصابهم مقدمات الجند » .