أبي الفرج الأصفهاني
234
الأغاني
القامة ، درماء [ 1 ] الكعبين ، خدلَّجة الساقين ، لفّاء الفخذين ، خميصة الخصر ، ضامرة الكشحين ، مصقولة المتنين . فلما رأيتها أعجبت بها ، فقلت : لأطلبنّها إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم ليجعلها من فيئي . فلما تكلَّمت أنسيت جمالها ؛ لما سمعت من فصاحتها ، فقالت : يا محمد ، هلك الوالد ، وغاب الوافد ؛ فإن رأيت أن تخلي عنّي ، فلا تشمت بي أحياء العرب ؛ فإني بنت سيّد قومي ، كان أبي يفكّ العاني ، ويحمي الذمار ، ويقري الضيف ، ويشبع الجائع ، ويفرّج عن المكروب ، ويطعم الطعام ، ويفشي السلام ، ولم يردّ طالب حاجة قط ؛ أنا بنت حاتم طيىء . فقال لها رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم : يا جارية ، هذه صفة المؤمن ، / لو كان أبوك إسلاميّا لترحمنا عليه ، خلَّوا عنها ؛ فإنّ أباها كان يحبّ مكارم الأخلاق ، واللَّه يحبّ مكارم الأخلاق [ 2 ] . نسب أم حاتم وأمّ حاتم عتبة [ 3 ] بنت عفيف بن عمرو بن امرئ القيس بن عديّ بن أخزم . وكانت في الجود بمنزلة حاتم ، لا تدّخر شيئا ولا يسألها أحد شيئا فتمنعه . بلغ من سخائها أن حجر عليها إخوتها أخبرني محمد بن الحسن بن دريد ، قال : أخبرنا الحرمازيّ [ 4 ] ، عن العباسي بن هشام ، عن أبيه ، قال : كانت عتبة بنت عفيف ، وهي أمّ حاتم ذات يسار ، وكانت من أسخى الناس ، وأقراهم للضيف ، وكانت لا تليق [ 5 ] شيئا تملكه . فلما رأى إخوتها إتلافها حجروا عليها ، ومنعوها مالها ، فمكثت دهرا لا يدفع إليها شيء منه ، حتى إذا ظنّوا أنها قد وجدت ألم ذلك أعطوها صرمة [ 6 ] من إبلها ، فجاءتها امرأة من هوازن كانت تأتيها في كلّ سنة تسألها ، فقالت لها : دونك هذه الصّرمة فخذيها ، فو اللَّه لقد عضّني [ 7 ] من الجوع ما لا أمنع منه سائلا أبدا ، ثم أنشأت تقول [ 8 ] : من شعرها وقد سألتها امرأة من هوازن : لعمري لقدما عضّني الجوع عضّة فآليت ألَّا أمنع الدّهر جائعا فقولا لهذا اللائمي اليوم : أعفني فإن أنت لم تفعل فعضّ الأصابعا فماذا عساكم أن تقولوا لأختكم سوى عذلكم أو عذل من كان مانعا
--> [ 1 ] أ ، ب : « ردماء » ، تحريف . وامرأة درماء : لا تستبين كعوبها ومرافقها . وخدلجة : ممتلئة . [ 2 ] سيرة ابن هشام 4 : 274 . [ 3 ] في الشعر والشعراء : عنبة . وفي ف : « غنية » . [ 4 ] كذا في ف . وفي الديوان وباقي النسخ : « الجرموزي » . [ 5 ] كذا في ف والديوان وفي أ : « لا تملك » ، وفي ب : « لا تمسك » . [ 6 ] الصرمة : القطعة من الإبل ما بين العشر إلى الثلاثين ، أو إلى الخمسين والأربعين ، أو ما بين العشرة إلى الأربعين ، أو ما بين عشرة إلى بضع عشرة . « القاموس » . [ 7 ] ف : مضني . [ 8 ] ديوانه 42 .