أبي الفرج الأصفهاني
197
الأغاني
كسرى يعين سيفا بجيش يقوده وهرز وأمر بهم كسرى فأحضروا فوجد ثمانمائة رجل ، فولَّى أمرهم رجلا معهم يقال له وهرز ، وكان راميا شجاعا مع مكانة في الفرس ، وجهّزهم ، وأعطاهم سلاحا ، وحملهم في البحر في ثماني سفن ، فغرقت سفينتان ، وبقي من بقي وهم ستمائة رجل ؛ فأرسوا إلى ساحل عدن ، فلما أرسوا قال وهرز لسيف : ما عندك ، فقد جئنا بلادك ؟ فقال : ما شئت من رجل عربيّ وفرس [ 1 ] عربي ، ثم اجعل رجلي مع رجلك حتى نموت جميعا أو نظفر جميعا . قال وهرز : أنصفت . فاستجلب سيف من استطاع من اليمن ، ثم زحفوا إلى مسروق بن أبرهة ، وقد سمع بهم مسروق وبتعبيتهم ، فجمع إليه جنده من الحبشة ، وسار إليهم ، والتقى العسكران ، وجعلت أمداد اليمن تثوب إلى سيف ، وبعث وهرز ابنا له كان معه على جريدة خيل ، فقال : ناوشوهم القتال ، حتى ننظر قتالهم ، فناوشهم ابنه ، وناوشوه شيئا من قتال ، ثم تورّط ابّنه في هلكة لم يستطع التخلَّص منها ؛ فاشتملوا عليه فقتلوه ، فازداد وهرز عليهم حنقا . وسيء العرب ، وفرحت الحبشة ، فأظهروا الصليب ، فوتّر وهرز قوسه ، وكان لا يقدر أن يوتّرها غيره . وهرز يقتل مسروقا وقال وهرز والناس في صفوفهم : انظروا أين ترون ملكهم ؟ قال سيف [ 2 ] : أرى رجلا قاعدا على فيل تاجه على رأسه ، بين عينيه ياقوتة حمراء . قال : ذلك ملكهم . وقال وهرز : اتركوه . / ثم وقف طويلا ، ثم قال : انظروا هل تحوّل ؟ قالوا : قد تحوّل على فرس . قال : هذا منه اختلاط . ثم وقف طويلا ، وقال : انظروا هل تحوّل ؟ قالوا : قد تحول على بغلة ، فقال : ابنة الحمار ، ذلّ الأسود وذلّ ملكه ، ثم قال لأصحابه : نقتله [ 3 ] في هذه الرّمية ، تأمّلوا النشّابة ، وأخذ النشّابة وجعل فوقها في الوتر ، ثم نزع فيها حتى ملأها ، وكان أيّدا [ 4 ] ، ثم أرسلها فصكَّت الياقوتة التي بين عيني ملكهم مسروق ، فتغلغلت النشّابة في رأسه حتى خرجت من قفاه ، وحملت عليهم الفرس ، فانهزمت الحبشة في كل وجه ، وجعلت حمير تقتل من أدركوا منهم ، وتجهز على جريحهم . وهرز يدخل صنعاء ويملك اليمن وأقبل وهرز يريد أن يدخل صنعاء ، وكان موضعهم الذي التقوا فيه خارج صنعاء ، وكان اسم صنعاء : أزال [ 5 ] ، فلما قدمت الحبشة بنوها وأحكموها ، فقالت : صنعة ؛ فسميت صنعاء ، وكانت صنعاء مدينة لها باب صغير يدخل منه ، فلما دنا وهرز من باب المدينة رآه صغيرا ، فقال : لا تدخل رايتي منكَّسة ، اهدموا الباب ، فهدم باب صنعاء ، ودخل ناصبا رايته وسير بها بين يديه . فقال سيف بن / ذي يزن : ذهب ملك حمير آخر الدهر ، لا يرجع إليهم أبدا . فملك وهرز اليمن ، وقهر الحبشة ، وكتب إلى كسرى يخبره : إني قد ملكت للملك اليمن ، وهي أرض العرب القديمة التي تكون فيها ملوكهم ، وبعث بجوهر ، وعنبر ، ومال ، وعود ، وزباد [ 6 ] ، وهو جلود لها رائحة طيّبة .
--> [ 1 ] المثبت في أ ، م ، ح ، وفي ب ، س : « قوس » ، تصحيف . [ 2 ] في « ما » ما يفيد أن سيف بن ذي يزن هو الذي سأل . [ 3 ] المثبت في أ ، م ، وفي ب ، س ، ج : « قتلته » . [ 4 ] أيّدا : قويّا . [ 5 ] ب ، س : « إيال » ، والمثبت من « ما » وهو يوافق ما في معجم البلدان عن الزجاجي . [ 6 ] الزباد : طيب يجلب من دابة كالسنور يقال لها : قط الزباد .