أبي الفرج الأصفهاني

195

الأغاني

أبرهة يحرض فقراء الحبشة على أرياط فقال لهم عند ذلك رجل من الحبشة يقال له أبرهة من قوّاد أرياط : لو أن رجلا غضب لغضبكم إذا لأسلمتموه حتى يذبح كما تذبح الشاة . قالوا : لا والمسيح ، ما كنّا نسلمه أبدا ، فواثقوه بالإنجيل ألَّا يسلموه [ 1 ] حتى يموتوا عن آخرهم . فنادى مناديه فيهم ، فاجتمعوا إليه فبلغ ذلك أرياط أنّ أبا أصحم أبرهة جمع لك الجموع ، ودعا الناس إلى قتالك . قال : أو قد فعل ذلك أبرهة ، وهو ممن لا بيت له في الحبشة ! وغضب أرياط غضبا شديدا ، وقال : هو أدنى من ذلك نفسا وبيتا ، هذا باطل . قالوا : فأرسل إليه ؛ فإن أتاك فهو باطل ، وإن لم يأتك فاعلم أنه كما يقال ، فأرسل إليه : أجب الملك أرياط . فجثا أبرهة على ركبتيه وخرّ لوجهه ، وأخذ عودا من الأرض فجعله في فيه ، وقال للرسول : اذهب إلى الملك فأخبره بما رأيت مني ، أنا أخلعه ؟ أنا أشدّ تعظيما له من ذلك ! وأنا آتيه على أربع قوائم بحساب البهيمة . فرجع الرسول إلى الملك فأخبره بالخبر ، / فقال : ألم أقل لكم ؟ قالوا : الملك أعقل وأعلم منّا . فلما ولَّى الرسول من عند أبرهة وتوارى عنه صاح أبرهة في الفقراء من الحبشة ، فاجتمعوا إليه معهم السلاح ، والآلة التي كانوا يعملون بها ويهدمون بها مدن اليمن : المعاول والكرازين [ 2 ] والمساحي ، ثم صفّوا صفّا ، وصفّوا خلفه آخر بإزائه . فلما أبطأ أبرهة على الملك وهو يرى أنه يأتيه على أربع قوائم كما قال ، وأتى الرسول أرياط فأخبره بما صنع أبرهة ، ركب في الملوك ومن تبعه / من أتباعهم ، فلبسوا السلاح وجاؤا بالفيلة ، وكان معه سبعة فيلة ، حتى إذا دنا بعضهم من بعض برز أبرهة بين الصّفّين ، فنادى بأعلى صوته : يا معشر الحبشة ، اللَّه ربّنا ، والإنجيل كتابنا ، وعيسى نبيّنا ، والنجاشيّ ملكنا ، علام يقتل بعضنا بعضا في مذهب النصرانية ؟ هذا رجل وأنا رجل فخلَّوا بيني وبينه ، فإن قتلني عاد الملك إلى ما كان عليه من أثرة الأغنياء وهلاك الفقراء ، وإن قتلته سلمتم وعملت فيكم بالإنصاف بينكم ما بقيت . فقال الملوك لأرياط : قد أخبرناك أنه صنع ما قد ترى ، وقد أبيت [ 3 ] إلَّا حسن الرأي فيه ، وقد أنصفك . وكان أرياط قد عرف بالشجاعة والنجدة ، وكان جميلا ، وكان أبرهة قصيرا دميما قبيحا منكر الجمّة [ 4 ] ، فاستحيا أرياط من الملوك أن يجبن ، فبرز بين الصفّين ، ومشى أحدهما إلى صاحبه ، وحمل عليه أرياط فضرب أبرهة ضربة وقع منها حاجباه وعامّة أنفه ، ووقع بين رجلي أرياط ، فعمد أبرهة إلى عمامته فشدّ بها وجهه ، فسكن الدّم والتأم الجرح ، وأخذ عودا وجعله في فيه ، وقال : أيها الملك ، إنما أنا شاة فاصنع ما أردت ، فقد أبصرت أمري . ففرح أرياط بما صنع ، وكان أبرهة قد سمّ خنجرا ، وجعله في بطن فخذه ، كأنه خافية نسر .

--> [ 1 ] كذا في أ ، ح وفي ب ، س : « لا يسلموه » . [ 2 ] الكرزن ، بالفتح ، وقد يكسر ، والكرزبن : فأس كبير . [ 3 ] كذا في أ ، ح ، وفي ب ، س : « أبنت أحسن الرأي فيه » . [ 4 ] الجمة ، بضم الجيم : مجتمع شعر الرأس .