أبي الفرج الأصفهاني
15
الأغاني
فما أبرم [ 1 ] الأقوام يوما لحيلة من الأمر إلَّا قلَّدوك احتيالها [ 2 ] وقد تخبر الحرب العوان بسرّها - وإن لم تبح - من لا يريد سؤالها فأمر هشام أن يجمع له من بحضرته من الرّواة ، فجمعوا . فأمر بالأبيات فقرئت عليهم ، فقال : شعر من تشبه هذه الأبيات ؟ فأجمعوا جميعا من ساعتهم أنه كلام الكميت بن زيد / الأسديّ ، فقال هشام : نعم ، هذا الكميت ينذرني بخالد بن عبد اللَّه . ثم كتب إلى خالد بخبره ، وكتب إليه بالأبيات ، وخالد يومئذ بواسط . هاشميته اللامية فكتب خالد إلى واليه بالكوفة يأمره بأخذ الكميت وحبسه ، وقال لأصحابه : إنه بلغني أنّ هذا يمدح بني هاشم ويهجو بني أمية ، فأتوني من شعره هذا بشيء . فأتي بقصيدته اللامية التي أوّلها [ 3 ] : ألا هل عم في رأيه متأمّل وهل مدبر بعد الإساءة مقبل ! فكتبها وأدرجها في كتاب إلى هشام ، يقول : هذا شعر الكميت ؛ فإن كان قد صدق في هذا فقد صدق في ذاك . / فلما قرئت على هشام اغتاظ ، فلما قال [ 4 ] : فيا ساسة هاتوا لنا من جوابكم [ 5 ] ففيكم لعمري ذو أفانين مقول اشتدّ غيظه . فكتب إلى خالد يأمره أن يقطع يدي الكميت ورجليه ، ويضرب عنقه ويهدم داره ، ويصلبه على ترابها . ابن عنبسة ينذره ليتخلص من الحبس فلما قرأ خالد الكتاب كره أن يستفسد عشيرته ، وأعلن الأمر رجاء أن يتخلَّص الكميت ، فقال : لقد كتب إليّ أمير المؤمنين ، وإني لأكره أن أستفسد عشيرته ، وسمّاه ، فعرف عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد ما أراد ، فأخرج غلاما له مولَّدا ظريفا ، فأعطاه بغلة له شقراء فارهة من بغال الخليفة ، وقال : إن أنت وردت الكوفة ، فأنذرت الكميت لعله أن يتخلَّص من الحبس ، فأنت حرّ لوجه اللَّه ، والبغلة لك ، ولك عليّ بعد ذلك إكرامك والإحسان إليك . فركب البغلة وسار بقيّة يومه وليلته من واسط إلى الكوفة فصبّحها ، فدخل الحبس متنكَّرا ، فخبّر الكميت بالقصة ، فأرسل إلى امرأته وهي ابنة عمّه يأمرها أن تجيئه ومعها ثياب من لباسها وخفّان ، ففعلت ، فقال : ألبسيني لبسة النساء ، ففعلت ، ثم قالت له : أقبل ، فأقبل ، وأدبر ، فأدبر . فقالت : ما أرى إلَّا يبسا في منكبيك ، اذهب في حفظ اللَّه .
--> [ 1 ] في أ ، ب : « فما برم » ، والمثبت يوافق ما في الهاشميات . [ 2 ] في ب : « احتبالها » . [ 3 ] الهاشميات 66 . [ 4 ] الهاشميات 68 . [ 5 ] في الهاشميات : « من حديثكم » .