أبي الفرج الأصفهاني

116

الأغاني

لها : غنّيه إياه ، فغنّته ؛ فصعق الرجل ، وخرّ مغشيّا عليه . فقال ابن جعفر : أثمنا فيه ، الماء ، الماء ! فنضح على وجهه ، فلما أفاق قال له : أكلّ هذا بلغ بك عشقها ؟ قال : وما خفي عنك أكثر . قال : أفتحبّ أن تسمعه منها ؟ قال : قد رأيت ما نالني حين سمعته من غيرها ، وأنا لا أحبّها ، فكيف يكون حالي إن سمعته منها ، وأنا لا أقدر على ملكها ! قال : أفتعرفها إن رأيتها ؟ قال : أو أعرف غيرها ! فأمر بها فأخرجت ، وقال : خذها فهي لك ، واللَّه ما نظرت إليها إلا عن عرض . فقبّل الرجل يديه ورجليه ، وقال : أنمت عيني ، وأحييت نفسي ، وتركتني أعيش بين قومي ، ورددت إليّ عقلي ، ودعا له دعاء كثيرا . فقال : ما أرضى أن أعطيكها هكذا ، يا غلام احمل معها مثل ثمنها لكيلا تهتمّ به ويهتمّ بها . نسبة هذا الصوت صوت بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا واحتلَّت الغور فالجدّين فالفرعا [ 1 ] وأنكرتني وما كان الذي نكرت من الحوادث إلَّا الشّيب والصّلعا عروضه من البسيط ، والشعر للأعشى ، أعشى بني قيس بن ثعلبة . الأصمعي ينحل الأعشى بيتا من الشعر وزعم الأصمعيّ أن البيت الثاني هو صنعه ونحله الأعشى . أخبرنا محمد بن العباس اليزيديّ ، عن عمه ، عن عبد الرحمن ابن أخي الأصمعيّ ، عن عمه ، قال : ما نحلت أحدا من الشعراء شيئا قطَّ لم يقله إلَّا بيتا واحدا نحلته الأعشى ، وهو : وأنكرتني وما كان الذي نكرت من الحوادث إلا الشّيب والصّلعا الغناء لعزّة الميلاء ، خفيف ثقيل أول بالوسطى ؛ وذكر عمرو بن بانة أنه لمعبد ، وأنكر إسحاق ذلك ودفعه ، وفيه للغريض ثقيل أول بالبنصر ، وقيل : إنه لجميلة . عبد اللَّه بن جعفر يطلب من أمير المدينة ألا يمنع عزة من الغناء قال إسحاق : وحدثني ابن سلَّام ، عن ابن جعدبة ، قال : كان ابن أبي عتيق معجبا بعزّة الميلاء ، فأتى يوما عند عبد اللَّه بن جعفر ، فقال له : بأبي أنت وأمي ! هل لك في عزّة ، فقد اشتقت إليها ! قال : لا ، أنا اليوم مشغول . فقال : بأبي أنت وأمي ! إنها لا تنشط إلَّا بحضورك ، فأقسمت عليك إلَّا ساعدتني وتركت شغلك ، ففعل ، فأتياها ورسول الأمير على / بابها يقول لها : دعي الغناء ، فقد ضجّ أهل / المدينة منك ، وذكروا أنك قد فتنت رجالهم ونساءهم . فقال له ابن جعفر : ارجع إلى صاحبك فقل له عنّي : أقسم عليك إلَّا ناديت في المدينة : أيّما رجل فسد أو امرأة فتنت بسبب عزّة إلَّا كشف نفسه بذلك لنعرفه ، ويظهر لنا ولك أمره . فنادى الرسول بذلك ، فما أظهر أحد نفسه . ودخل ابن جعفر إليها وابن أبي عتيق معه ، فقال لها : لا يهولنّك ما سمعت ، وهاتي فغنّينا ، فغنّته بشعر القطاميّ [ 2 ] :

--> [ 1 ] ديوان الأعشى 101 . [ 2 ] الجمهرة 802 .