أبي الفرج الأصفهاني

108

الأغاني

وكان إذا سئل : من أحسن الناس غناء ؟ قال : مولاة الأنصار المفضّلة على كلّ من غنّى وضرب بالمعازف والعيدان من الرجال والنّساء . قال : وحدثني هشام بن المرّيّة أنّ ابن محرز كان يقيم بمكة ثلاثة أشهر ، ويأتي المدينة فيقيم بها ثلاثة أشهر من أجل عزّة ، وكان يأخذ عنها . رأي طويس فيها قال إسحاق : وحدثني الجمحيّ ، عن جرير [ 1 ] المغنّي المديني ، أنّ طويسا كان أكثر ما يأوي إلى منزل عزّة الميلاء ، وكان في جوارها ، وكان إذا ذكرها يقول : هي سيّدة من غنّى من النساء ، مع جمال بارع ، وخلق فاضل وإسلام لا يشوبه دنس ؛ تأمر بالخير وهي من أهله ، وتنهى عن السوء وهي مجانبة [ 2 ] له ، فناهيك ما كان أنبلها ، وأنبل مجلسها ! . ثم قال : كانت إذا جلست جلوسا عامّا فكأنّ الطير على رؤوس أهل مجلسها ، من تكلَّم أو تحرك نقر رأسه . قال ابن سلَّام : فما ظنّك بمن يقول : فيه طويس هذا القول ! ومن ذلك الذي سلم من طويس ! . سمعها معبد وقد أسنت فأعجب بها قال إسحاق : وحدثني أبو عبد اللَّه الأسلميّ ، عن معبد : أنه أتى عزّة يوما وهي عند جميلة وقد أسنّت ، وهي تغنّي على معزفة في شعر ابن الإطنابة ، قال : علَّلاني وعلَّلا صاحبيّا واسقياني من المروّق ريّا قال : فما سمع السامعون قطَّ بشيء أحسن من ذلك . قال معبد : هذا غناؤها ، وقد أسنّت ، فكيف بها وهي شابّة ! . عمر بن أبي ربيعة يغشى عليه حين سمعها تغني شعره قال إسحاق : وذكر لي عن صالح بن حسّان الأنصاريّ ، قال : كانت عزّة مولاة لنا ، وكانت عفيفة جميلة ، وكان عبد اللَّه بن جعفر ، وابن أبي عتيق ، وعمر بن أبي ربيعة يغشونها في منزلها فتغنّيهم . وغنّت يوما عمر بن أبي ربيعة لحنا لها في شيء من شعره ، فشقّ ثيابه ، وصاح صيحة عظيمة صعق معها ، فلما أفاق قال له القوم : لغيرك الجهل يا أبا الخطاب ! قال : إني سمعت واللَّه ما لم أملك معه نفسي ولا عقلي . وقال إسحاق : وحدثني أبو عبد اللَّه الأسلميّ المدنيّ ، قال : كان حسّان بن ثابت معجبا بعزّة الميلاء ، وكان يقدّمها على سائر قيان المدينة . غنت شعرا لحسان بن ثابت فبكى أخبرني حرميّ ، عن الزبير ، عن محمد بن الحسن المخزوميّ ، عن محرز بن جعفر ، قال :

--> [ 1 ] كذا ضبط بالتصغير في أو الإكمال : 131 أ . [ 2 ] في المختار : « وهي مجانبته » .