الشهيد الثاني
91
حقائق الإيمان
واعلم أنه قد استدل بعضهم على هذا المذهب أيضا بأنا نعلم بالضرورة أن الإيمان في اللغة هو التصديق ، والدلائل عليه كثيرة ، فإما أن يكون في الشرع كذلك ، أو يكون منقولا عن معناه في اللغة . والثاني باطل ، لأن أكثر الألفاظ تكرارا في القرآن وكلام الرسول صلى الله عليه وآله لفظ الإيمان ، فلو كان منقولا عن معناه اللغوي لوجب أن يكون حاله كحال سائر العبادات الظاهرة في وجوب العلم به ، فلما لم يكن كذلك علمنا أنه باق على وضع اللغة . إذا ثبت هذا فنقول : ذلك التصديق إما أن يكون هو التصديق القلبي ، أو اللساني ، أو مجموعهما ، والأول باطل لقوله تعالى " فلما جاء هم ما عرفوا كفروا به " ( 1 ) فأثبت لهم المعرفة مع أنه حكم بكفرهم ، ولو كان مجرد المعرفة إيمانا لما صح ذلك . وأيضا قوله تعالى " فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين * وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا " ( 2 ) ولا يصح أن يكون جحدهم لها بقلوبهم حيث أثبت لهم الاستيقان بها ، فلا بد أن يكون بألسنتهم حيث لم يقروا بها . وإذا كان الجحد باللسان موجبا للكفر ، كان الاقرار به مع التصديق القلبي موجبا للإيمان ، فيكون الاقرار من محققات الإيمان . وأيضا قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام إذ يقول لفرعون " لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض " ( 3 ) فأثبت بكونه عالما بأن الله تعالى هو الذي أنزل الآيات التي جاء بها موسى عليه السلام ، فلو كان مجرد العلم هو الإيمان لكان فرعون مؤمنا ، وهو باطل بنص القرآن العزيز وإجماع الأنبياء عليهم السلام من لدن موسى عليه السلام
--> ( 1 ) سورة البقرة : 89 . ( 2 ) سورة النمل : 13 - 14 . ( 3 ) سورة الإسراء : 102 .