أبي الفرج الأصفهاني

513

الأغاني

غريب ، لا أعرف أحدا ، ثم قلت : لعلهما من ولد أبي أو بعض نساء أهلي ، فخرجت إليهما ، فإذا بصاحبتي ، فلما رأتني بكت لما رأت من تغير خلقي ، وثقل حديدي ، فأقبلت عليها الأخرى فقالت : أهو هو ؟ فقالت : إي واللَّه ، إنه لهو هو ، ثم أقبلت عليّ فقالت : فداك أبي وأمي ، واللَّه لو استطعت أن أقيك مما أنت فيه بنفسي وأهلي لفعلت ، وكنت بذلك مني حقيقا ، وو اللَّه لا تركت المعاونة لك ، والسعي في حاجتك ، وخلاصك بكل حيلة ومال وشفاعة ، وهذه دنانير وثياب وطيب ، فاستعن بها على موضعك ، ورسولي يأتيك في كل يوم بما يصلحك ، حتى يفرّج اللَّه عنك . ثم أخرجت إلي كسوة وطيبا ومائتي دينار ، وكان رسولها يأتيني في كل يوم بطعام نظيف ، وتواصل [ 1 ] برّها بالسّجّان ، فلا يمتنع من كل شيء أريده . فمنّ اللَّه بخلاصي ، ثم راسلتها فخطبتها ، فقالت : أما من جهتي فأنا لك متابعة مطيعة ، والأمر إلى أبي ، فأتيته ، فخطبتها إليه ، فردني ، وقال : ما كنت لأحقق عليها ما قد شاع في الناس عنك في أمرها ، وقد صيرتها فضيحة ، فقمت من عنده منكَّسا مستحيا ، وقلت له في ذلك : رموني وإياها بشنعاء هم بها أحقّ أدال اللَّه منهم فعجّلا بأمر تركناه وربّ محمد عيانا فإما عفّة أو تجمّلا فقلت له : إن عيسى صنيعة أخي ، وهو لي مطيع ، وأنا أكفيك أمره . فلما كان من الغد لقيت عيسى في منزله ، وقلت له : قد جئتك في جاجة لي ؛ فقال : مقضية ، ولو كنت استعملت ما أحبه لأمرتني فجئتك ، وكان أسرّ إليّ . فقلت له : قد جئتك خاطبا إليك ابنتك . فقال : هي لك أمة ، وأنا لك عبد ، / وقد أجبتك . فقلت : إني خطبتها على من هو خير مني أبا وأما ، وأشرف لك صهرا ومتّصلا ، محمد بن صالح العلويّ . فقال لي : يا سيدي ، هذا رجل قد لحقتنا بسببه ظنة ، وقيلت فينا أقوال . فقلت : أفليست باطلة ؟ قال : بلى ، والحمد للَّه . قلت : فكأنها لم تقل ، وإذا وقع النكاح زال كل قول وتشنيع ، ولم أزل أرفق به حتى أجاب ، وبعثت إلى محمد بن صالح فأحضرته ، وما برحت حتى زوجته ، وسقت الصّداق عنه . مدحه إبراهيم بن المدبر قال أبو الفرج الأصبهاني : وقد مدح محمد بن صالح إبراهيم بن المدبّر مدائح كثيرة ، لما أولاه من هذا الفعل ، ولصداقة كانت بينهما ، فمن جيد ما قاله فيه قوله : أتخبر عنهم الدّمن الدّثور وقد ينبي إذا سئل الخبير وكيف تبيّن الأنباء دار تعاقبها الشمائل والدّبور يقول فيها في مدحه : فهلَّا في الذي أولاك عرفا تسدّي من مقالك ما تنير [ 2 ]

--> [ 1 ] كذا في أ ، م . وفي سائر الأصول : يتواصل . [ 2 ] تسدّي : تقوي لحمة الثوب بالسدي . وتنير : تنسج النير ، وهو لحمة الثوب .