أبي الفرج الأصفهاني
507
الأغاني
الهبولة ، فطرحاه بين يديه ، فناولهما من التمر ، وجلسا قريبا من القبة . فأما صليع [ 1 ] فقال : هذه آية وعلم [ 2 ] ما يريد ، فانصرف إلى حجر ، فأعلمه بعسكره ، وأراه التمر . وأما سدوس فقال : لا أبرح حتى آتيه بأمر جليّ . فلما ذهب هزيع من الليل أقبل ناس من أصحابه يحرسونه ، وقد تفرّق أهل العسكر في كل ناحية ، فضرب سدوس بيده إلى جليس له ، فقال له : من أنت ؟ مخافة أن يستنكر . / فقال : أنا فلان ابن فلان . قال : نعم . ودنا سدوس من القبة ، فكان حيث يسمع الكلام ، فدنا ابن الهبولة من هند امرأة حجر ، فقبّلها وداعبها ، ثم قال لها فيما يقول : ما ظنك الآن / بحجر لو علم بمكاني منك ؟ قالت : ظني به واللَّه أنه لن يدع طلبك حتى يطالع القصور الحمر ، وكأني أنظر إليه في فوارس من بني شيبان يذمّرهم ويدمّرونه ، وهو شديد الكلب ، سريع الطلب ، يزبد شدقاه كأنه بعير آكل مرار . فسمّى حجر آكل المرار يومئذ . قال : فرفع يده فلطمها . ثم قال : ما قلت هذا إلا من عجبك به ، وحبك له . فقالت : واللَّه ما أبغضت ذا نسمة قطَّ بغضي له ، ولا رأيت رجلا قطَّ أحزم منه نائما ومستيقظا ، إن كان لتنام عيناه وبعض أعضائه حيّ لا ينام ، وكان إذا أراد النوم أمرني أن أجعل عنده عسّا مملوءا لبنا ، فبينا هو ذات ليلة نائم وأنا قريبة منه أنظر إليه ، إذ أقبل أسود سالخ إلى رأسه ، فنحى رأسه ، فمال إلى يديه ، وإحداهما مقبوضة ، والأخرى مبسوطة ، فأهوى إليها فقبضها ، فمال إلى رجليه وقد قبض واحدة ، وبسط الأخرى ، فأهوى إليها ، فقبضها ، فمال إلى العسّ : شربه ثم مجه ، فقلت : يستيقظ فيشرب فيموت ، فأستريح منه . فانتبه من نومه ، فقال : عليّ بالإناء ، فناولته ، فشمه فاضطربت يداه ، حتى سقط الإناء فأهريق . وذلك كله بأذن سدوس . فلما نامت الأحراس خرج يسري ليلته ، حتى صبّح حجرا . فقال : أتاك المرجفون برجم غيب على دهش وجئتك باليقين فمن يك قد أتاك بأمر لبس فقد آتي بأمر مستبين ثم قصّ عليه جميع ما سمع . فأسف ونادى في الناس : الرحيل . فساروا حتى انتهوا إلى عسكر ابن الهبولة ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزم أصحاب ابن الهبولة ، وعرفه سدوس ، فحمل عليه ، / فاعتنقه وصرعه فقتله . وبصر به عمرو بن معاوية ، فشدّ عليه ، فأخذ رأسه منه ، وأخذ سدوس سلبه ، وأخذ حجر هندا فربطها بين فرسين ، ثم ركضا بها حتى قطَّعاها قطعا . هذه رواية ابن الكلبيّ . وأما أبو عبيدة فإنه ذكر أن ابن الهبولة لما غنم عسكر حجر ، غنم مع ذلك زوجته هند بنت ظالم ، وأم أناس بنت عوف بن محلَّم الشيباني ، وهي أم الحارث بن حجر وهند بنت حجر ، ولابنها الحارث ابن يقال له عمرو ، وله يقول بشر بن أبي خازم : فإلى ابن أم أناس أعمل ناقتي عمرو فتنجح حاجتي أم ترجف ملك إذا نزل الوفود ببابه غرفوا غوارب مزبد ما ينزف قال : وبنتها هند هي التي تزوّجها المنذر بن ماء السماء اللخميّ . قال : وكان ابن الهبولة بعد أن غنم يسوق ما معه من السبايا والنّعم ، ويتصيد في المسير ، ولا يمرّ بواد إلا أقام به يوما أو يومين ، حتى أتى على ضريّة ، فوجدها
--> [ 1 ] أ ، م : ضبيعة . [ 2 ] أ ، م : على .