أبي الفرج الأصفهاني

485

الأغاني

/ أن نائلة بنت الفرافصة كتبت إلى معاية بن أبي سفيان ، وبعثت بقميص عثمان مع النّعمان بن بشير ، أو عبد الرّحمن بن حاطب بن أبي بلتعة : « من نائلة بنت الفرافصة إلى معاوية بن أبي سفيان . أما بعد ، فإني أذكركم باللَّه الذي أنعم عليكم ، وعلمكم الإسلام ، وهداكم من الضلالة ، وأنقذكم من الكفر ، ونصركم على العدو ، وأسبغ النعمة [ 1 ] ؛ وأنشدكم باللَّه ، وأذكَّركم حقه وحق خليفته الذي لم تنصروه [ 2 ] ، وبعزمة اللَّه عليكم ، فإنه عز وجل يقول : * ( وإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى / الأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ أللهِ ) * [ 3 ] . وإن أمير المؤمنين بغي عليه ، ولو لم يكن له عليكم حقّ إلا حقّ الولاية ، ثم أتي إليه بما أتي ، لحقّ على كل مسلم يرجو أيام اللَّه أن ينصره ، لقدمه في الإسلام ، وحسن بلائه ، وأنه أجاب داعي اللَّه ، وصدّق كتابه [ 4 ] ، واللَّه أعلم به إذ انتجبه ، فأعطاه شرف الدنيا وشرف الآخرة . وإني أقص عليكم خبره ، لأني كنت مشاهدة أمره كله ، حتى أفضي إليه : وإن أهل المدينة حصروه في داره ، يحرسنه ليلهم ونهارهم . قيام على أبوابه بسلاحهم ، يمنعونه كل شيء قدروا عليه ، حتى منعوه الماء ، يحضرونه الأذى ، ويقولون له الإفك . فمكث هو ومن معه خمسين ليلة ، وأهل مصر قد أسندوا أمرهم إلى محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر ، وكان عليّ مع المحرّضين من أهل المدينة ، ولم يقاتل مع أمير المؤمنين ، ولم ينصره ، ولم يأمر بالعدل الذي أمر اللَّه تبارك وتعالى به . فظلت تقاتل خزاعة وسعد بن بكر وهذيل ، وطوائف من مزينة وجهينة ، / وأنباط يثرب ، ولا أرى سائرهم ، ولكني سميت لكم الذين كانوا أشد الناس عليه في أول أمره وآخره . ثم إنه رمي بالنّبل والحجارة ، فقتل ممن كان في الدار ثلاثة نفر ، فأتوه يصرخون إليه ، ليأذن لهم في القتال ، فنهاهم عنه ، وأمرهم أن يردوا عليهم نبلهم ، فردّوها إليهم ، فلم يزدهم ذلك على القتال إلَّا جراءة ، وفي الأمر إلا إغراء . ثم أحرقوا باب الدار ، فجاءه ثلاثة نفر من أصحابه ، فقالوا : إن في المسجد ناسا يريدون أن يأخذوا أمر الناس بالعدل ، فأخرج إلى المسجد حتى يأتوك ، فانطلق فجلس فيه ساعة ، وأسلحة القوم مطلة عليه من كل ناحية ، وما أرى أحدا يعدل ، فدخل الدار ، وقد كان نفر من قريش على عامتهم السلاح ، فلبس درعه ، وقال لأصحابه : لولا أنتم ما لبست درعا ، فوثب عليه القوم ، فكلمهم ابن الزبير ، وأخذ عليهم ميثاقا في صحيفة ، بعث بها إلى عثمان : إن عليكم عهد اللَّه وميثاقه ألَّا تعرّوه بشيء ، فكلموه وتحرجوا ، فوضع السلاح ، فلم يكن إلا وضعه ، حتى دخل عليه القوم يقدمهم ابن أبي بكر ، حتى أخذوا بلحيته ، ودعوه باللَّقب . فقال : أنا عبد اللَّه وخليفته ، فضربوه على رأسه ثلاث ضربات ، وطعنوه في صدره ثلاث طعنات ، وضربوه على مقدم الجبين فوق الأنف ضربة أسرعت في العظم ، فسقطت عليه وقد أثخنوه وبه حياة ، وهم يريدون قطع رأسه ، ليذهبوا به ، فأتتني بنت شيبة بن ربيعة ، فألقت نفسها معي عليه ، فوطئنا وطئا شديدا ، وعرّينا من ثيابنا ، وحرمة أمير المؤمنين أعظم . فقتلوه رحمة اللَّه عليه في بيته ، وعلى فراشه . وقد أرسلت إليكم بثوبه ، وعليه دمه ، وإنه واللَّه لئن كان أثم من قتله ،

--> [ 1 ] ف : وأوسع عليكم النعمة . [ 2 ] ف : وحق خليفته أن تنصروه . [ 3 ] سورة الحجرات آية : 9 . [ 4 ] كذا في ف . وفي الأصول : رسوله .