أبي الفرج الأصفهاني

445

الأغاني

إن الجهاد باب من أبواب الجنة ، فمن تركه ألبسه اللَّه ثوب الذلة وشمله البلاء ، وديّث [ 1 ] بالصّغار ، وسيم الخسف . وقد قلت لكم اغزوهم قبل أن يغزوكم ، فإنه لم يغز قوم قطَّ في عقر [ 2 ] دارهم إلا ذلَّوا ، فتواكلتم وتخاذلتم ، وتركتم قولي وراءكم ظهريا ، حتى شنّت عليكم الغارات . هذا أخو غامد قد جاء الأنبار ، فقتل عاملي عليها حسان بن حسان ، وقتل رجالا كثيرا ونساء . واللَّه لقد بلغني أنه كان يأتي المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة ، فينزع حجلها ورعاثها [ 3 ] ، ثم ينصرفون موفورين ، لم يكلم أحد منهم كلما ، فلو أن امرأ مسلما مات من دون هذا أسفا ، لم يكن عليه ملوما ، بل كان به جديرا . يا عجبا ، عجبا يميت القلب ، ويشعل الأحزان ، من اجتماع هؤلاء القوم على ضلالتهم وباطلهم ، وفشلكم عن حقكم ، حتى صرتم غرضا ، ترمون ولا ترمون ، وتغزون ولا تغزون ، ويعصى اللَّه وترضون . إذا قلت لكم اغزوهم في الحر ، قلتم هذه حمارّة القيظ فأمهلنا ، وإذا قلت لكم اغزوهم في البرد ، قلتم هذا أوان قرّ وصرّ فأمهلنا . فإذا كنتم من [ 4 ] الحر والبرد تفرّون ، فأنتم واللَّه من السيف / أشد فرارا . يا أشباه الرجال ولا رجال ، ويا طغام [ 5 ] الأحلام ، وعقول ربات الحجال [ 6 ] ، وددت واللَّه اني لم أعرفكم ، بل وددت أني لم أركم ، معرفة واللَّه جرّعت بلاء وندما ، وملأتم جوفي غيظا بالعصيان والخذلان ، حتى لقد قالت قريش : إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب . ويحهم ! هل فيهم أشد مراسا لها مني ؟ واللَّه لقد دخلت فيها وأنا ابن عشرين ، وأنا الآن قد نيّفت على الستين ، ولكن لا رأي لمن لا يطاع . فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ، أنا كما قال اللَّه تعالى : * ( لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وأَخِي ) * [ 7 ] فمرنا بأمرك ، فو اللَّه لنطيعنك ولو حال بيننا وبينك جمر الغضى [ 8 ] ، وشوك القتاد . قال : وأين تبلغان مما أريد ؛ هذا أو نحوه ، ثم نزل . رسائل بين علي وأخيه عقيل حدثنا محمد بن العباس اليزيديّ قال : حدثني عمي عبيد اللَّه بن محمد قال : حدثني جعفر بن بشير قال : حدثني صالح بن يزيد الخراساني ، عن أبي مخنف ، عن سليمان بن أبي راشد ، عن ابن أبي الكنود عبد الرّحمن بن عبيد قال : كتب عقيل بن أبي طالب إلى / أخيه عليّ بن أبي طالب عليه السّلام : « أما بعد ، فإن اللَّه عز وجل جارك من كل سوء ، وعاصمك من المكروه . إني خرجت معتمرا ، فلقيت عبد اللَّه بن أبي سرح في نحو من أربعين شابا من أبناء الطَّلقاء ، فقلت لهم ، وعرفت المنكر في وجوههم : يا أبناء الطَّلقاء ، العداوة واللَّه لنا منكم غير مستنكرة قديما ، تريدون بها إطفاء نور اللَّه ، وتغيير أمره ، فأسمعني / القوم

--> [ 1 ] ديث : ذلل . [ 2 ] عقر دارهم : أصلها . [ 3 ] الجحل : الخلخال . والرعاث : جمع رعثة ، وهي الشنف . [ 4 ] في الأصول : بين . وفي ف : في ، وأثبتنا : من ، عن مب ، و « الكامل » للمبرد ، و « شرح نهج البلاغة » . [ 5 ] الطغام : من لا عقل له ، ولا معرفة عنده . [ 6 ] الحجال : جمع حجلة ، وهي بيت للعروس يزين بالثياب والستور . [ 7 ] سورة المائدة آية : 25 . [ 8 ] الغضى : نبات من أجود وقود العرب .