الفتال النيسابوري

65

روضة الواعظين

فرأيت في منامي إنه خرج من منخره طاير ابيض ، فطار فبلغ المشرق والمغرب ، ثم رجع راجعا حتى سقط على بيت الكعبة ، فسجدت له قريش كلها فبينما الناس يتأملونه إذ صار نورا بين السماء والأرض ، وامتد حتى بلغ المشرق والمغرب ، فلما انتبهت سألت كاهنة بنى مخزوم ، فقالت : يا عباس لئن صدقت رؤياك ليخرجن من صلبه ولد يصير أهل المشرق والمغرب تبعا له ، فقال أبى : فهمني أمر عبد الله إلى أن تزوج بآمنة ، وكانت من أجمل نساء قريش وأتمها خلقا ، فلما مات عبد الله وولدت آمنة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أتيته ورأيت النور بين عينيه يزهر فحملته ، وتفرست في وجهه فوجدت منه ريح المسك وصرت كأني قطعة مسك من شدة ريحي ، فحدثتني آمنة ، وقالت لي : إنه لما اخذني الطلق واشتد بي الامر سمعت جلبة وكلاما لا يشبه كلام الآدميين ورأيت علما من سندس على قضيب من ياقوتة قد ضرب بين السماء والأرض ، ورأيت نورا يسطع من رأسه حتى بلغ السماء ، ورأيت قصور الشامات كأنها شعلة نار ورأيت حولي من القطاة أمرا عظيما ، قد نشرت أجنحتها حولي ، ورأيت شعيرة الأسدية قد مرت وهي تقول : آمنة ما لقيت الكهان والأصنام من ولدك ، ورأيت رجلا شابا من أتم الناس طولا ، وأشدهم بياضا وأحسنهم ثيابا ما ظننته إلا عبد المطلب ، قد دنا منى فأخذ المولود فتفل في فيه ، واستنطقه فنطق فلم افهم ما قال إلا إنه قال : في أمان الله وحفظه وكلائته ، قد حشوت قلبك إيمانا وعلما وحلما ويقينا وعقلا وشجاعة ، أنت خير البشر طوبى لمن اتبعك ، وويل لمن تخلف عنك ، ثم اخرج صرة من حريرة بيضاء ، ففتحها فإذا فيها خاتم فضرب على كتفه ، ثم قال أمرني ربى أن انفخ فيك من روح القدس فنفخ فيه : وألبسه قميصا وقال هذا أمانك من آفات الدنيا ، فهذا ما رأيت يا عباس - قال يعنى العباس - وأنا يومئذ أقرأ فكشفت عن ثوبه فإذا خاتم النبوة بين كتفيه ، فلم أزل اكتم شأنه وأنسيت الحديث ، فلم أذكره إلى يوم اسلامي حتى ذكرني رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال الصادق " عليه السلام " كان إبليس لعنه الله يخترق السماوات السبع ، فلما ولد عيسى " عليه السلام " حجب عن ثلاث سماوات ، وكان يخترق أربع سماوات ، فلما ولد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حجب عن السبع كلها ، ورميت الشياطين بالنجوم ، وقالت قريش هذا قيام الساعة التي كنا نسمع أهل الكتب يذكرونه .