الفتال النيسابوري
444
روضة الواعظين
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) دخل عليها فوقف أصحابه على الباب لا يدرون يقفون أو ينصرفون لطول مكثه عندها فخرج عليهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وقد عرف الغضب في وجهه حتى جلس عند المنبر فظنت فاطمة " عليه السلام " انه إنما فعل ذلك لما رأى من المستكين والقلادة والستر فنزعت قلادتها وقرطيها ومسكتيها ونزعت الستر فبعثت به إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وقالت للرسول قل له تقرأ عليك السلام ابنتك ، وتقول اجعل هذا في سبيل الله فلما أتاه قال جعل فداها أبوها ثلاث مرات ليست الدنيا من محمد ولا من آل محمد ، ولو كانت الدنيا تعدل عند الله من الخير جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة من ماء ، ثم قام فدخل عليها صلوات الله عليهما . ( وروى ) انه لما مات إسماعيل بن جعفر ، وفرغ من جنازته جلس الصادق جعفر ابن محمد عليهما السلام ، وجلس قوم حوله وهو مطرق ، ثم رفع رأسه فقال : أيها الناس ان هذه الدنيا دار فراق ، ودار التواء لا دار استواء على أن فراق المألوف حرقة لا تدفع ولوعة لا ترد ، وإنما يتفاضل الناس بحسن العزاء وصحة الفكر فمن لم يثكل أخاه ثكله أخوه ومن لم يقدم ولدا كان هو المقدم دون الولد ، ثم تمثل بقول أبى خراش الهذلي يرثى أخاه : ولا تحسبي أنى تناسيت عهده * ولكن صبري يا أميم جميل قيل للصادق " عليه السلام " : أي الخصال بالمرئ أجمل : قال وقار بلا مهابة وسماح بلا طلب مكافاة وتشاغل بغير متاع الدنيا . قال أمير المؤمنين " عليه السلام " : من اعتدل يوماه فهو مغبون ، ومن كانت الدنيا همته اشتدت حسرته عند فراقها ، ومن كان غده شر من يومه فمحروم ، ومن لم يبال ما زرى من آخرته إذا سلمت له دنياه فهو هالك ، ومن لم يتعاهد النقص من نفسه غلب عليه الهوى ومن كان في نقص فالموت خير له ان الدنيا خضرة حلوة ، ولها أهل وان الآخرة لها أهل طلقت أنفسهم عن مفاخرة أهل الدنيا لا ينافسون في الدنيا ، ولا يفرحون بغضارتها ولا يحزنون لبؤسها ألا فان طالب الدنيا والموت يطلبه ، وغافل وليس بمغفول عنه وعلى أثر الماضي يصير الباقي ان الله تعالى خلق خلقا ضيق عليهم الدنيا نظرا لهم فزهدهم فيها وفى حطامها فرغبوا في دار السلام التي دعاهم إليها ، وصبروا على ضيق المعيشة وصبروا على المكروه ، واشتاقوا إلى ما عند الله من الكرامة ، وبذلوا أنفسهم