أبي الفرج الأصفهاني
15
الأغاني
حولا ، حتى ترجع إليّ رسلي التي أرسلت ، فإن أنزلتموني طوعا نزلت وحمدتكم وآسيتكم [ 1 ] في الرّعي والماء ، وإن أبيتم أقمت على كرهكم ثم لم ترتعوا معي إلَّا فضلا [ 2 ] ، ولم تشربوا إلا رنقا [ 3 ] ، وإن قاتلتموني قاتلتكم ، ثمّ إن ظهرت عليكم سبيت النساء وقتلت الرجال ، ولم أترك منكم أحدا ينزل الحرم أبدا ! فأبت جرهم أن تنزله / طوعا وتعبّت لقتاله [ 4 ] ، فاقتتلوا ثلاثة أيام أفرغ عليهم فيها الصبر ، ومنعوا النصر [ 5 ] ، ثم انهزمت جرهم فلم يفلت منهم إلا الشّريد . وكان مضاض بن عمرو قد اعتزل حربهم ولم يعنهم في ذلك ، وقال : قد كنت أحذّركم هذا . ثم رحل هو وولده وأهل بيته حتّى نزلوا قنونى [ 6 ] وما حوله ، فبقايا جرهم [ 7 ] به إلى اليوم ، وفني الباقون ؛ أفناهم السيف في تلك الحروب . شعره في نفي جرهم عن الحرم قالوا : فلما حازت خزاعة أمر مكَّة وصاروا وأهلها جاءهم بنو إسماعيل وقد كانوا اعتزلوا حرب جرهم وخزاعة ، فلم يدخلوا في ذلك ، فسألوهم السّكنى معهم وحولهم فأذنوا لهم ، فلما رأى ذلك مضاض بن عمرو بن الحارث وقد كان أصابه من الصّبابة إلى مكَّة أمر عظيم ، أرسل إلى خزاعة يستأذنها ، ومتّ إليهم برأيه [ 8 ] وتوريعه قومه عن القتال [ 9 ] ، وسوء العشرة في الحرم ، واعتزاله الحرب ، فأبت خزاعة أن يقرّوهم ونفوهم عن الحرم كلَّه ، وقال عمرو بن لحي لقومه : من وجد منكم جرهميا قد قارب الحرم فدمه هدر [ 10 ] ! فنزعت إبل لمضاض بن عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو ، من قنونى تريد مكة ، فخرج في طلبها حتّى وجد أثرها [ 11 ] قد دخلت مكة ، فمضى على الجبال نحو أجياد ، حتّى ظهر على أبي قبيس [ 12 ] يتبصّر الإبل في بطن وادي / مكَّة ، فأبصر الإبل تنحر وتؤكل ولا سبيل له إليها ، فخاف إن هبط الوادي أن يقتل ، فولَّى منصرفا إلى أهله وأنشأ يقول : كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا أنيس ولم يسمر بمكَّة سامر ولم يتربّع واسطا فجنوبه إلى المنحنى من ذي الأراكة حاضر [ 13 ]
--> [ 1 ] المواساة والمؤاساة : التسوية . ط ، مب ، أ « واسيتكم » . ونص في « القاموس » أنها لغة رديئة . [ 2 ] الارتعاء : الرعي . [ 3 ] الرنق بالفتح والسكون ، وككنف وجبل : الماء الكدر . [ 4 ] التعبى : التهيؤ والاستعداد للقتال . [ 5 ] أي لم ينتصر أحد الفريقين . [ 6 ] قنوني ، بفتح القاف والنون : واد من أودية السراة يصب إلى البحر في أوائل أرض اليمن من جهة مكة . ط ، مب : « فنوني » بالفاء وبضبط سابقه ، في مط : « فنونا » . قال ياقوت : « موضع في بلاد العرب » . [ 7 ] ط ، ها : « بها » . [ 8 ] مت : توسل . ط ، مب : « برائه » . والراء : الرأي . [ 9 ] ورعه توريعا : كفه . ما عدا ط ، مب ، مط : « توزيعه » . والتوزيع : التفريق ، ولا وجه له . [ 10 ] كذا في ط ، مب ، مط . وبدله في سائر النسخ : « وقالوا : من دخله منهم فدمه هدر » . [ 11 ] ما عدا ط ، أ ، مب : « حتى وجدها » . [ 12 ] ظهر عليه : علاه . وأبو قبيس : جبل بمكة . [ 13 ] التربع : الإقامة بالمكان . وواسط : موضع بالحجاز في طريق منى . وذو الأراكة : نخل بموضع من اليمامة . ما عدا ط : « من دي الأريكة » ، تحريف . مب : « من ذي أراكة » . مط « من ذي أراك » .