محمود علي قراعة

302

الثقافة الروحية في إنجيل برنابا

أن يكون الغيب مثل الشهادة ، بل الحقيقة غير الحقيقة ، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنه " ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء " - ولذلك لا يبعد فهم أن تكون لذة الجنة من هذه الأشياء أسمى من لذة الدنيا ، لذة روحية حسية - وروحية بمعنى أن للروح النصيب الأكبر منها ومن نشوتها ! ولا ريب في أن لذة النظر إلى وجه الله تعالى تفوق كل اللذات ، وأن لذة اللقاء والرضا أسمى نعيم ، وأن اللذات الأخرى ثانوية - وإن تكن عظيمة في نفسها ، لأن ذكر الله لها كجزاء للعمل الصالح أكبر دال على عظمها - ولكن لا ريب في أنها مهما عظمت ، فإنها لا تقاس عند المؤمن الفاني في الله عز وجل المحب له سبحانه وتعالى ، باللذة العظمى لذة رؤيته ولذة رضوانه ( 1 ) ! ثم إن الأخذ بروحية اللذات ، لا يتعارض مع البعث والنشور ، والرأي أنه سواء أخذنا بإعادة المعدوم في الكل ، أو جمع ما تفرق من الأجزاء ، أو إعادة ما انعدم بذاته من الأجزاء وتأليف ما تفرق منه ، فإنها إذا أعيدت في الآخرة ، فلا بد أن يجمعها الله تعالى في نشأة أخرى ، مستعدة للبقاء غير قابلة للفناء ، مهيأة لما تلقاه من النعيم أو العذاب ، وتكون الأرواح فهيا قوالب الأبدان والأبدان من جنس أرواحها كما ذكره ابن القيم ، وإن جميع الإدراكات من سمع وبصر ولذة ة وألم ، لا تكون متفرقة في مواضع البدن كما هي في نشأة الدنيا ، بل يوصف كل جزء بأنه سميع بصير متلذذ متألم كما تقتضيه نشأته " وننشئكم فيما لا تعلمون " ، ومعنى " كما بدأنا أول خلق نعيده " ، أنا نعيد أول خلق مماثلا للذي بدأنا ، والتشبيه يقتضي المغايرة ( 2 ) وهذا لا ينافي إعزاز اللذة الروحية ! وكذلك روحية اللذات لا تتعارض مع صريح الآيات في رؤية الله تعالى ( 3 )

--> ( 1 ) راجع ص 6 و 7 من نعيم الجنة لمحمود علي قراعة . ( 2 ) راجع ص 98 من أحكام الروح لأستاذنا المرحوم الشيخ حسنين مخلوق العدوي ( 3 ) مثل قوله تعالى " واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه " وقوله تعالى " تحيتهم يوم يلقونه سلام " وقوله تعالى " فمن كان يرجو لقاء ربه " وقوله تعالى " وقال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله " ، فقد أجمع أهل اللسان على أن اللقاء متى نسب إلى الحي السليم من العمى والمانع ، اقتضى المعاينة والرؤية ، وكذا قوله سبحانه وتعالى " يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه " ، إن عاد الضمير إلى العمل فهو رؤيته في الكتاب مسطورا ، وإن عاد إلى الرب سبحانه وتعالى ، فهو لقاؤه . راجع ص 54 - 58 من حادي الأرواح لابن القيم .