أبي الفرج الأصفهاني
455
الأغاني
لا أبصره فقال : بشّر الجنّ وأجناسها ، أن وضعت المطيّ أحلاسها [ 1 ] ، وكفّت [ 2 ] السماء أحراسها ، وأن يغصّ السّوق أنفاسها [ 3 ] ، قال : فوثبت مذعورا وعرفت أنّ محمّدا / رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم مصطفى ، فركبت فرسي وسرت حتّى انتهيت إليه فبايعته وأسلمت ، وانصرفت إلى ضمار فأحرقته بالنار . خروجه إلى النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وإسلامه وقال أبو عبيدة : كانت تحت العبّاس بن مرداس حبيبة بنت الضحّاك بن سفيان السّلمي أحد بني رعل [ 4 ] بن مالك ، فخرج عبّاس حتى انتهى إلى إبله وهو يريد النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، فبات بها ، فلمّا أصبح دعا براعيه فأوصاه بإبله ، وقال له : من سألك عنّي فحدّثه أنّي لحقت بيثرب ، ولا أحسبني إن شاء اللَّه تعالى إلَّا آتيا محمّدا وكائنا معه ، فإني أرجو أن نكون برحمة من اللَّه ونور ، فإن كان خيرا لم أسبق إليه ، وإن كان شرّا نصرته [ 5 ] لخئولته ، على أني قد رأيت الفضل البيّن وكرامة الدنيا والآخرة في طاعته ومؤازرته ، واتّباعه ومبايعته ، وإيثار أمره على جميع الأمور ، فإن مناهج سبيله واضحة ، وأعلام ما يجيء به من الحقّ نيرة ، ولا أرى أحدا من العرب ينصب [ 6 ] له إلا أعطي عليه الظفر والعلوّ ، وأراني قد ألقيت عليّ محبّة له ، وأنا باذل نفسي دون نفسه أريد بذلك رضا إله السماء والأرض ، قال : ثم سار نحو النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، وانتهى الراعي نحو إبله ، فأتى امرأته فأخبرها بالَّذي كان من أمره ومسيره إلى النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، فقامت فقوّضت بيتها ، ولحقت بأهلها ، فذلك حيث يقول عبّاس بن مرداس ، حين أحرق ضمارا ولحق بالنبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : / لعمري إنّي يوم أجعل جاهدا ضمارا لربّ العالمين مشاركا وتركي رسول اللَّه والأوس حوله أولئك أنصار له ، ما أولئكا ؟ [ 7 ] / كتارك سهل الأرض ، والحزن يبتغي ليسلك في غيب الأمور المسالكا فآمنت باللَّه الذّي أنا عبده وخالفت من أمسى يريد الممالكا ووجّهت وجهي نحو مكَّة قاصدا وتابعت بين الأخشبين المباركا [ 8 ]
--> - والأوس والخزرج : ابنا حارثة بن ثعلبة العنقاء ومن بطون الخزرج بنو عدي بن النجار أخوال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، تزوج منهم جده هاشم سلمى بنت عمرو والنجارية أم عبد المطلب . [ 1 ] أحلاس : جمع حلس بالكسر ، وهو كساء على ظهر البعير تحت البرذعة . [ 2 ] في ب ، س « ووكفت » وهو تحريف . [ 3 ] في الأصول « أن بعض » ولعل صوابه ما أثبتنا ، أي وبشر الجن بأن يغص . . . وبشّر هنا بمعنى أنذر ، ويغص أنفاسها : يصيبها بغصة ، والسوق : الدفع الشديد . والمعنى : لم يعد لها سلطان ، وكانت العرب تعتقد أن الجن تأتي بخبر السماء فتلقيه في جوف الأصنام . وجاء في رواية الروض الأنف : « عن عباس بن مرداس أنه كان في لقاح له نصف النهار ، فاطلعت عليه نعامة بيضاء عليها راكب عليه ثياب بيض ، فقال لي : يا عباس ألم تر أنّ السماء كفت أحراسها ، وأن الحرب جرعت أنفاسها ، وأن الخيل وضعت أحلاسها ، وأن الَّذي نزل عليه البر والتقى يوم الاثنين ليلة الثلاثاء ، صاحب الناقة القصواء . قال : فخرجت مرعوبا قد راعني ما رأيت ، وسعيت حتى جئت وثنا لي يقال له الضمار كنا نعبده ونكلم من جوفه . . . » . والقصواء : الَّتي قطع طرف أذنها ، وهو لقب ناقة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، ولم تكن ناقته قصواء ، وإنما كان هذا لقبا لها ، وقيل : كانت مقطوعة الأذن . [ 4 ] رعل : قبيلة من سليم . [ 5 ] في ج ، ب « بصرته » وفي س « أبصرته » والصواب عن « ها » وهو تحريف . [ 6 ] نصب له : عاداه . [ 7 ] تركي ، معطوف على أجعل المنزل منزلة المصدر ، أي يوم جعلي ضمارا مشاركا وتركي . ما أولئكا : استفهام للتعظيم والتهويل . [ 8 ] الأخشبان : جبلان مطيفان بمكة ، وهما أبو قبيس والأحمر . وفي ج « الأحسبين » وهو تصحيف .