أبي الفرج الأصفهاني

259

الأغاني

وقد ظهرت منهم بوائق جمّة وأفرع مولاهم بنا ثم أصعدا [ 1 ] وما كان ذنبي فيهم غير أنّني بسطت يدا فيهم وأتبعتها يدا وأني أحامي من وراء حريمهم إذا ما المنادي بالمغيرة ندّدا [ 2 ] / إذا الفوج لا يحميه إلَّا محافظ كريم المحيّا ماجد غير أجردا فإن صرّحت كحل وهبّت عريّة من الرّيح لم تترك لذي العرض مرفدا [ 3 ] صبرت على وطء الموالي وخطبهم إذا ضنّ ذو القربى عليهم وأجمدا [ 4 ] الحصين والبرج بن الجلاس أخبرني ابن دريد قال : حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال : كان البرج بن الجلاس الطائيّ خليلا للحصين بن الحمام ونديما له على الشراب ، وفيه يقول البرج بن الجلاس : / وندمان يزيد الكأس طيبا سقيت وقد تغوّرت النجوم [ 5 ] رفعت برأسه فكشفت عنه بمعرقة ملامة من يلوم [ 6 ] ونشرب ما شربنا ثم نصحو وليس بجانبي خدّي كلوم ونجعل عبأها لبني جعيل وليس إذا انتشوا فيهم حليم [ 7 ] كانت للبرج أخت يقال لها العفاطة [ 8 ] ، وكان البرج يشرب مع الحصين ذات يوم فسكر وانصرف إلى أخته فافتضّها ، وندم على ما صنع لمّا أفاق ، وقال لقومه : أيّ رجل أنا فيكم ؟ قالوا : فارسنا وأفضلنا وسيّدنا . قال : فإنه إن علم بما صنعت أحد من العرب أو أخبرتم به أحدا ركبت رأسي فلم تروني أبدا ، فلم يسمع بذلك أحد منهم . ثم إن أمة لبعض طيىء وقعت إلى الحصين بن الحمام ، فرأت عنده البرج الطائي يوما وهما يشربان . فلما خرج من عنده قالت للحصين : إنّ نديمك هذا سكر عندك ففعل بأخته كيت وكيت ، وأوشك أن يفعل ذلك بك كلَّما أتاك فسكر عندك . فزجرها الحصين وسبّها ، فأمسكت . ثم إنّ البرج بعد ذلك أغار على جيران الحصين بن الحمام من الحرقة فأخذ أموالهم ، وأتى الصّريخ [ 9 ] الحصين بن الحمام ، فتبع القوم ، فأدركهم ، فقال للبرج : ما صبّك على جيراني يا برج ؟ فقال له : وما أنت وهم هؤلاء من أهل اليمن وهم منّا ، وأنشأ يقول :

--> [ 1 ] بوائق : جمع بائقة ، وهي الداهية . وأفرع بهم : نزل . [ 2 ] بالمغيرة : أي بالخيل المغيرة أي بركابها . وندّد : رفع صوته . [ 3 ] العرية : الريح الباردة . والعرض : السعة . والمرفد بفتح الميم وضمها : المعونة . [ 4 ] وطئه : داسه . وخطبهم : حالهم وشأنهم . المجمد : البخيل . [ 5 ] تغور النجم وغار : غاب . [ 6 ] بمعرقة : أي بخمر معرقة ؛ يقال : أعرق الشراب : جعل فيه عرقا من الماء : أي قليلا . [ 7 ] انتشى : سكر . [ 8 ] كذا في ب ، س ، وفي ج « القفاطة » . [ 9 ] الصريخ هنا : المستغيث .