أبي الفرج الأصفهاني

6

الأغاني

وقيوده حتى صعد الأكمة ، ثم أقبل يضرب ببصره نحو اليمن ، وتغشاه عبرة فبكى ، ثم رفع طرفه إلى السماء وقال : اللهم ساكن السماء فرّج لي مما أصبحت فيه . فبينا هو كذلك إذ عرض له راكب يسير ، فأشار إليه أن أقبل ، فأقبل الراكب ، فلما وقف عليه قال له : ما حاجتك يا هذا ؟ قال : أين تريد ؟ قال : أريد اليمن . قال : ومن أنت ؟ قال [ أنا ] [ 1 ] أبو الطَّمحان القينيّ ، فاستعبر باكيا . فقال [ له ] [ 1 ] أبو الطَّمحان : من أنت ؟ فإني أرى عليك سيما الخير ولباس الملوك ، وأنت بدار ليس فيها ملك . قال : أنا قيسبة بن كلثوم السّكونيّ ، خرجت عام كذا وكذا أريد الحج ، فوثب عليّ هذا الحيّ فصنعوا بي ما ترى ، وكشف عن أغلاله / وقيوده ؛ فاستعبر أبو الطمحان ، فقال له قيسبة : هل لك في مائة ناقة حمراء ؟ قال : ما أحوجني إلى ذلك ! قال : فأنخ ، فأناخ . ثم قال له : أمعك سكَّين ؟ قال نعم . قال : ارفع لي عن رحلك ، فرفع له عن رحله حتى بدت خشبة مؤخره [ 2 ] ؛ فكتب عليها قيسبة بالمسند [ 3 ] ، وليس يكتب به غير أهل اليمن : بلَّغا كندة [ 4 ] الملوك جميعا حيث سارت بالأكرمين الجمال أن ردوا العين بالخميس [ 5 ] عجالا واصدروا عنه والرّوايا [ 6 ] ثقال هزئت جارتي وقالت عجيبا إذ رأتني في جيدي الأغلال إن تريني عاري العظام أسيرا قد براني تضعضع واختلال فلقد أقدم الكتيبة بالسي ف عليّ السلاح والسربال وكتب تحت الشعر إلى أخيه أن يدفع إلى أبي الطَّمحان مائة ناقة . ثم قال له : أقرىء هذا قومي ؛ فإنهم سيعطونك مائة ناقة حمراء . فخرج تسير به ناقته ، حتى أتى / حضر موت ، فتشاغل بما ورد له ونسي أمر قيسبة حتى فرغ من حوائجه . ثم سمع نسوة من عجائز اليمن يتذاكرن قيسبة ويبكين ، فذكر أمره ، فأتى أخاه الجون بن كلثوم ، وهو أخوه لأبيه وأمه ، فقال له : يا هذا ، إني أدلَّك على قيسبة وقد جعل لي مائة من الإبل . قال له : فهي لك . فكشف عن الرحل ، فلما قرأه الجون أمر له بمائة ناقة ، ثم أتى قيس بن معديكرب الكنديّ أبا الأشعث بن قيس ، فقال له : يا هذا ، إن أخي في بني عقيل أسير ، فسر معي بقومك ، فقال له : أتسير تحت لوائي حتى أطلب ثأرك وأنجدك ، وإلا فامض راشدا . فقال له الجون : مسّ السماء أيسر من ذلك وأهون عليّ مما خيّرته . وضجّت

--> [ 1 ] زيادة عن نسخة ط . [ 2 ] يجوز فيه سكون الهمزة مع فتح الخاء وكسرها ، وفتح الهمزة مع تشديد الخاء مفتوحة ومكسورة ، كما يقال فيه آخرة الرحل وآخره ومؤخرته ، وفي « مؤخرته » من اللغات ما في « مؤخره » . [ 3 ] المسند : هو خط حمير وهو مخالف لخطنا . وقد نشرت كلية الآداب بجامعة فؤاد الأوّل كتابا في حروف هذا الخط ، وحل الآثار اليمنية المكتوبة به من تأليف الأستاذ أغناطيوس جويدي ، اسمه « المختصر في علم اللغة العربية الجنوبية القديمة » . ويعدّ أجود المراجع في خط اليمن ولغتها . [ 4 ] كان قيسبة من قبيلة السكون . والسكون : بطن من كندة . لذلك استنجد بملوكهم . [ 5 ] الخميس : الجيش الكامل ، وهو المؤلف من خمس فرق : المقدمة ، والقلب ، والميمنة ، والميسرة والساقة . [ 6 ] الروايا : جمع راوية وهي هنا المزادة فيها الماء . وتطلق الرواية أيضا على البعير أو البغل أو الحمار الَّذي يستقى عليه الماء . والرجل المستقى أيضا راوية . ومن الأوّل قول عمرو بن ملقط : ذاك سنان محلب نصره كالجمل الأوطف بالراويه ومن الثاني قول أبي طالب : وينهض قوم في الحديد إليكمو نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل