أبي الفرج الأصفهاني
305
الأغاني
كان لمعن بن أوس امرأة يقال لها ثور وكان لها محبّا ، وكانت حضريّة نشأت بالشأم ، وكانت في معن أعرابيّة ولوثة [ 1 ] ، فكانت تضحك من عجرفيّته [ 2 ] . فسافر إلى الشأم في بعض أعوامه [ 3 ] ، فضلَّت الرّفقة عن الطَّريق وعدلوا عن الماء ، فطووا منزلهم وساروا يومهم وليلتهم ، فسقط فرس معن في وجار ضبّ دخلت يده فيه ، فلم يستطع الفرس أن يقوم من شدّة العطش حتى حمله أهل الرّفقة حملا فأنهضوه ، وجعل معن يقوده ويقول : / لو شهدتني [ 4 ] وجوادي ثور والرّأس فيه ميل ومور [ 5 ] لضحكت حتّى يميل الكور [ 6 ] قدم على ابن الزبير بمكة فلم يحسن ضيافته ، وأكرمه ابن عباس وابن جعفر فمدحهما وذم ابن الزبير أخبرني عمّي قال حدّثنا محمد بن سعد الكراني قال حدّثنا العمريّ عن العتبيّ قال : قدم معن بن أوس مكة على ابن الزّبير فأنزله دار الضّيفان ، وكان ينزلها الغرباء وأبناء / السبيل والضّيفان ، فأقام يومه لم يطعم شيئا ؛ حتّى إذا كان الليل جاءهم ابن الزّبير بتيس هرم هزيل فقال : كلوا من هذا ، وهم نيّف وسبعون رجلا ؛ فغضب معن وخرج من عنده ، فأتى عبيد اللَّه بن العبّاس ، فقراه وحمله وكساه ، ثم أتى عبد اللَّه بن جعفر وحدّثه حديثه ، فأعطاه حتى أرضاه ، وأقام عنده ثلاثا ثم رحل [ 7 ] . فقال يهجو ابن الزّبير ويمدح ابن جعفر وابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهم أجمعين [ 8 ] : ظللنا بمستنّ [ 9 ] الرّياح غديّة إلى أن تعالى اليوم في شرّ محضر لدى ابن الزّبير حابسين [ 10 ] بمنزل من الخير والمعروف والرّفد مقفر رمانا أبو [ 11 ] بكر وقد طال يومنا بتيس من الشّاء الحجازيّ أعفر [ 12 ] وقال اطعموا منه ونحن ثلاثة وسبعون إنسانا فيالؤم مخبر / فقلت [ 13 ] له لا تقرنا [ 14 ] فأمامنا جفان ابن عبّاس العلا وابن جعفر
--> [ 1 ] اللوثة ( بالضم هنا : الحمق . [ 2 ] العجرفية والعجرفة هنا : الجفوة في الكلام والخرق في العمل . [ 3 ] في ف : « في بعض أيامه » . [ 4 ] في ف : « لو أبصرتني » . [ 5 ] المور هنا : الاضطراب والتحرّك . [ 6 ] الكور هنا : الدور من العمامة يريد الدور مما تلف به رأسها . [ 7 ] كذا في ط ، م . وفي سائر الأصول : « حتى رحل » . [ 8 ] هذه الجملة الدعائية ساقطة من أكثر الأصول الخطية . [ 9 ] مستن الرياح : مضطربها حيث تهب وتجري . [ 10 ] خابسين أي ذوي حبس ؛ فالوصف على النسبة ؛ والمراد أنهم محبوسون . ونحوه قول الحصين بن الحمام : مواليكم مولى الولادة منهم ومولى اليمين حابس قد تقسّما راجع « شرح الحماسة » للتبريزي ( صفحة 187 طبعة أوروبا ) . [ 11 ] أبو بكر : كنية عبد اللَّه بن الزبير . [ 12 ] أعفر : أغبر ، لونه لون العفر وهو التراب . [ 13 ] كذا في ط ، م ، ح ، ف . وفي سائر الأصول : « فقلنا » . [ 14 ] كذا في ف . وفي سائر الأصول : « لا تقربن » وهي مصحفة عن « لا تقرين » .