أبي الفرج الأصفهاني

379

الأغاني

جارية ابن أبي عتيق ومعابثة فتى لها وكانت له جارية ، وكان فتى من أهل المدينة كثيرا ما يعبث بها ؛ فأعلمت [ ابن أبي عتيق بذلك ؛ فقال لها : قولي له : وأنا أحبّك ؛ فإذا قال لك : وكيف لي بك ؟ فقولي له : مولاي يخرج غدا إلى مال له ، فإذا خرج أدخلتك المنزل . وجمع ] [ 1 ] ابن أبي عتيق ناسا من أصحابه فأجلسهم في بيته [ ومعهم عزة الميلاء ] [ 1 ] ، وأدخلت الجارية [ الرجل . وقال لعزة : غني فأعادت الصوت . وخرجت الجارية ] [ 1 ] فمكثت ساعة ثم دخلت البيت كأنها تطلب حاجة ، فقال لها : تعالي . فقالت : الآن آتيك . ثم عادت فدعاها فاعتلَّت [ 2 ] ، فوثب فأخذها فضرب بها الحجلة [ 3 ] ، فضحك ابن أبي عتيق عليه هو وأصحابه ، فقال لهم وهو غير مكترث : يا فسّاق ما يجلسكم ها هنا مع هذه المغنية ! فضحك ابن أبي عتيق من قوله وقال له : استر علينا ستر اللَّه تعالى عليك . فقالت له عزّة : يا بن الصّدّيق [ 4 ] ، ما أظرف هذا لولا فسقه ! فاستحيا الرجل فخرج ، وبلغه أن ابن أبي عتيق قد آلى إن هو وقع في يده أن يصير به إلى السلطان . فأقبل يعبث بها كلما خرجت ، فشكت ذلك إلى مولاها ، فقال لها : أو لم يرتدع من العبث بك ! قالت : لا . قال : فهيّئي الرحى وهيئي من الطعام طحين ليلة إلى الغداة . فقالت : أفعل يا مولاي . فهيّأت ذلك على ما أمرها به ثم قال لها : عديه الليلة فإذا جاء فقولي له : إن وظيفتي الليلة طحن هذا البّركلَّه ثم أخرجي من البيت واتركيه . ففعلت ، فلما دخل طحنت الجارية قليلا ، ثم قالت [ 5 ] / له : إن كفّت الرحى فإن مولاي جاء إليّ أو بعض من وكله بي ، فاطحن حتى نأمن أن يجيئنا أحد ، ثم أصير إلى قضاء حاجتك . ففعل الفتى ومضت الجارية إلى مولاها وتركته . وقد أمر ابن أبي عتيق عدّة من مولياته أن يتراوحن [ 6 ] على سهر ليلتهن ويتفقّدن أمر الطحين ويحثثن الفتى عليه كلما أمسك ؛ ففعلن ، وجعلن ينادينه كلما كفّ : يا فلانة إنّ مولاك مستيقظ ؛ والساعة يعلم أنك كففت عن الطحن ، فيقوم إليك بالعصا كعادته مع من كانت نوبتها قبلك إذا هي نامت وكفّت عن الطحن . فلم يزل الفتى كلَّما سمع ذلك الكلام يجتهد في العمل والجارية تتعهد وتقول : قد استيقظ مولاي . والساعة ينام فأصير إلى ما تحب . فلم يزل الرجل يطحن حتى / أصبح وفرغ من جميع القمح . فلما فرغ وعلمت الجارية أتته فقالت : قد أصبحت فانج بنفسك . فقال : أو قد فعلتها يا عدوّة اللَّه ! فخرج تعبا نصبا فأعقبه ذلك مرضا شديدا أشرف منه على الموت ، وعاهد اللَّه تعالى ألا يعود إلى كلامها ، فلم تر منه بعد ذلك شيئا ينكر [ 7 ] . صوت أجدّ اليوم جيرتك احتمالا وحثّ حداتهم بهم عجالا

--> [ 1 ] الزيادة عن ف . [ 2 ] اعتلت : اعتذرت . [ 3 ] الحجلة بالتحريك : بيت كالقبة يستر بالثياب ويكون له أزرار كبار ، وحجلة العروس : بيت يزين بالثياب والأسرّة والستور . [ 4 ] تريد ابن أبي عتيق وهو عبد اللَّه بن أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر . « تهذيب التهذيب » ( ج 6 ص 11 ) . [ 5 ] في ب ، س : « كفت » . [ 6 ] يتراوحن : يتناوبن . [ 7 ] كذا في ف . وفي سائر النسخ : « فلم ير بعد ذلك منه شيئا كثيرا » .