أبي الفرج الأصفهاني

58

الأغاني

زنباع وأسيد بركبة يريغ الغيث في عشراوات [ 1 ] له وشول . قال : وبنو عامر قريب منهم ولا يشعر بهم . قال عبد الحميد وأبو حيّة : بل بنو عامر بدمخ [ 2 ] وزهير بالنفرات وبينهم ليلتان أو ثلاث . قال فقال أبو سرّار : فأتى الحارث بني عامر ، واللَّه ما تغيّر طعم اللَّبن الذي زوّده [ 3 ] الحارث بن عمرو بن الشّريد السّلميّ / حتى أتى بني عامر فأخبرهم . قال أبو عبيدة أخبرني سليمان بن المزاحم المازنيّ عن أبيه قال : بل كانت بنو عامر بالجريثة [ 4 ] وزهير بالنفرات ، وكانت تماضر بنت عمرو بن الشّريد بن رياح بن يقظة بن عصيّة بن خفاف السّلميّ امرأة زهير بن جذيمة وهي أمّ ولده . فمرّ بها أخوها الحارث بن عمرو . فقال زهير لبنيه : إنّ هذا الحمار لطليعة عليكم فأوثقوه . فقالت أخته لبنيها : أيزوركم خالكم فتوثقوه وتحرموه ! فخلَّوه . فقالت تماضر لأخيها الحارث : إنه ليريبني [ اكبئنانك وقروبك ، فلا يأخذنّ فيك ] ما قال زهير ؛ فإنه رجل بيذارة غيذارة شنوءة [ 5 ] . قال : ثم حلبوا له وطبا وأخذوا منه يمينا ألَّا يخبر عنهم ولا ينذر بهم أحدا . قال أبو عبيدة : وزعم أبو حيّة النّميريّ أنه لمّا أتوه بقراهم أراهم أنه يشربه في الظَّلمة وجعل يهوي به إلى جيبه فيصبّه بين سرباله وصدره أسفا وغيظا . قال : وكان الذي حلب له الوطب وقراه الحارث بن زهير ، وبه سمّي . قال : فخرج يطير حتّى أتى عامرا عند ناديهم ، فأتى حاذة [ 6 ] أو شجرة غيرها فألقى الوطب تحتها والقوم ينظرون ، ثم قال : أيتها الشجرة الذليلة أشربي من هذا اللبن فانظري ما طعمه . فقال أهل المجلس : هذا رجل مأخوذ عليه [ عهد ] وهو يخبركم خبرا . فأتوه فإذا هو الحارث بن عمرو ، وذاقوا اللَّبن فإذا هو حلو لم يقرص بعد ، فقالوا : إنه ليخبرنا أنّ طلبنا قريب . فركب معه ستّة فوارس لينظروا ما الخبر ، وهم خالد بن جعفر بن كلاب على حذفة ، وحندج بن البكَّاء ، ومعاوية بن عبادة بن عقيل فارس الهرّار وهو الأخيل جدّ ليلى الأخيلية - قال : والأخيل هو معاوية ، قال : وهو يومئذ غلام له ذؤابتان ، وكان / أصغر من ركب - وثلاثة فوارس من سائر بني عامر ؛ فاقتصّوا أثر السير ، حتى إذا رأوا إبل بني جذيمة نزلوا عن الخيل . فقالت النساء : إنا لنرى حرجة [ 7 ] من عضاه أو غابة رماح بمكان لم نكن نرى به شيئا ، ثم راحت الرّعاء فأخبروا بمثل ما للنساء . قال : وأخبرت راعية أسيد بن جذيمة أسيدا بمثل ذلك ؛ فأتى أسيد أخاه زهيرا فأخبره بما أخبرته به الرّاعية وقال : إنما رأت خيل بني عامر ورماحها . فقال زهير : « كلّ أزبّ [ 8 ] نفور » - فذهبت مثلا ؛ وكان أسيد كثير الشّعر خناسيا [ 9 ] - وأين بنو عامر ! أمّا بنو كلاب فكالحيّة إن تركتها تركتك ، وإن وطئتها عضّتك . وأمّا بنو كعب فإنهم يصيدون الَّلأي

--> [ 1 ] العشراء من النوق : التي مضى لحملها عشرة أشهر ثم لا يزال يطلق عليها هذا الاسم إلى ما بعد الوضع ، فهي بعد الوضع عشراء أيضا . قال ابن الأثير : قد اتسع في هذا حتى قيل لكل حامل عشراء . والشول : جمع شائلة ، على غير قياس ، وهي الناقة التي أتى عليها من يوم نتاجها سبعة أشهر فخف لبنها وارتفع ضرعها . [ 2 ] دمخ : جبل . [ 3 ] في « الأصول » : « زودت الحارث » بالتاء ، وهو تحريف ؛ إذ ليس في الكلام هنا ما يرجع إليه الضمير . [ 4 ] في « أ ، م » : « بالحريثة » . ولم نجد هذا الاسم في مظانه . [ 5 ] ورد بعض هذه الكلمات في « الأصول » محرفا تحريفا شنيعا . والتكملة والتصويب من « أمالي السيد المرتضى » ، والاكبئنان هنا : الغم . والقروب : السكوت . وقال الأثرم : « والبيذارة : الكثير الكلام . والغيذارة : السيء الخلق » . والشنوءة المبغض . ( راجع « أمالي السيد المرتضى » . ) . [ 6 ] الحاذة : واحدة الحاذ ، وهو ضرب من الشجر . [ 7 ] الحرجة : الغيضة أي الشجر الكثير الملتف . والعضاه من الشجر : كل ما له شوك ، وقيل هو أعظم الشجر . [ 8 ] الزبب : كثرة الشعر وطوله . والبعير الأزب ، وهو الذي يكثر شعر حاجبيه ، ينفر إذا ضربت الريح شعرات حاجبيه . [ 9 ] كذا في « الأصول » ، ولم تجد لها معنى . فلعل « خناسيا » محرفة عن « جبان » أو ما يشبهها .