أبي الفرج الأصفهاني
39
الأغاني
الغسّاني ، فتلقّاه عمرو بن كلثوم . فقال له : يا عمرو ، ما منع / قومك أن يتلقّوني ؟ ! فقال له : يا عمرو يا خير الفتيان ، فإن قومي لم يستيقظوا لحرب قطَّ إلا علا فيها أمرهم واشتدّ شأنهم ومنعوا ما وراء ظهورهم . فقال له : أيقاظ [ 1 ] نومة ليس فيها حلم ، أجتثّ فيها أصولهم ، وأنفى فلَّهم [ 2 ] إلى اليابس الجرد ، والنازح الثّمد . فانصرف عمرو بن كلثوم وهو يقول : ألا فاعلم أبيت اللَّعن أنّا على عمد سنأتي ما نريد تعلَّم أنّ محملنا ثقيل وأنّ زناد كبتنا [ 3 ] شديد وأنّا ليس حيّ من معدّ يوازينا إذا لبس الحديد هجاؤه للنعمان بن المنذر : قال : وقال ابن الأعرابيّ : بلغ عمرو بن كلثوم أنّ النعمان بن المنذر يتوعّده ، فدعا كاتبا من العرب فكتب إليه : ألا أبلغ النّعمان عنّي رسالة فمدحك حوليّ وذمّك قارح [ 4 ] متى تلقني في تغلب ابنة وائل وأشياعها ترقى إليك المسالح [ 5 ] وهجا النّعمان بن المنذر هجاء كثيرا ، منه قوله يعيّره بأمّه سليمى : حلَّت سليمى بخبت [ 6 ] بعد فرتاج وقد تكون قديما في بني ناج / إذ لا ترجّي سليمى أن يكون لها من بالخورنق من قين ونسّاج ولا يكون على أبوابها حرس كما تلفّف قبطيّ بديباج تمشي بعدلين من لؤم ومنقصة مشي المقيّد في الينبوت [ 7 ] والحاج
--> - منع قومك أن يتلقوني ؟ ! فقال لم يعلموا بمرورك . فقال : لئن رجعت لأغزونهم غزوة تتركهم أيقاظا لقدومي . فقال عمرو : ما استيقظ قوم قط إلا نبل رأيهم وعزت جماعتهم ؛ فلا توقظن نائمهم . فقال : كأنك تتوعدني بهم ! أما واللَّه لتعلمن إذا نالت ( لعلها أجالت ) غطاريف غسان الخيل في دياركم أن أيقاظ قومك سينامون نومة لا حلم فيها : تجتث أصولهم وينقى فلهم إلى اليابس الجرد والنازح الثمد . ثم رجع عمرو بن كلثوم عنه وجمع قومه وقال : ألا فاعلم . . . إلخ « . [ 1 ] في « الأصول » : « أيقاظي » بياء في آخرها . [ 2 ] الفل : القوم المنهزمون . والجرد ( بالتحريك ) : من الأرض ما لا ينبت . والثمد ( بالفتح بالتحريك ) : الماء القليل الذي لا مادّ له . والنازح : الذي نفد ماؤه ؛ يقال نزحنا البئر ، ونزحت البئر ، فهو لازم متعدّ . يريد أن ينفي المنهزمين منهم إلى أرض لا نبات فيها ولا ماء . [ 3 ] كذا في « ج » . والكبة ( بالفتح ) : الحملة في الحرب والدفعة في القتال ، وكبة كل شيء شدته ودفعته مثل كبة الشتاء والجري . وفي « أ ، م » : « وأن زناد كتبنا » بتقديم التاء المثناة من فوق على الباء الموحدة . وفي « ب ، س » : « زناد كتبتنا » بزيادة تاء قبل النون . وأحسب أن صوابه : « وأن ذياد كبتنا شديد » أي أن دفع حملتنا في القتال شديد لا يطاق . [ 4 ] الحولي : ما أتى عليه حول . والقارح من ذي الحافر : الذي شق نابه . وهو في السنة الأولى حولي ثم ثنى ثم رباع ثم قارح . [ 5 ] المسالح : جمع مسلحة ، وهي القوم ذوو السلاح . [ 6 ] الخبت : المطمئن من الأرض ، واسم لعدة مواضع . وفرتاج ( بكسر الفاء ) : موضع . وبنو ناج : بطن من عدوان . [ 7 ] في « أكثر الأصول » : « اليابوت » . وفي « ج » : « اليلبوت » ، وكلاهما تحريف . والينبوت : نبات ، وهو ضربان ، أحدهما ذو شوك ، وهو المراد هنا . والحاج : الشوك أو ضرب منه . يريد أنها تمشي مثقلة بما تحمل من لؤم ومنقصة كما يمشي المقيد في هذين الضربين من الشوك .