أبي الفرج الأصفهاني
232
الأغاني
مطجّنة [ 1 ] . ولو اقتصرت على رجل واحد لما اخترت سوى علَّويه ؛ لأنه إن حدّثني ألهاني ، وإن غنّاني أشجاني ، وإن رجعت إلى رأيه كفاني . حضر عند سعيد بن عجيف فأكرمه ثم طلبه عجيف : حدّثني عمي قال حدّثني عبد اللَّه بن أبي سعد قال حدّثني محمد بن محمد الأبزاريّ قال : كنت عند سعيد بن عجيف أنا وعبد الوهّاب بن الخصيب وعبد اللَّه بن صالح صاحب المصلَّى ، إذ دخل عليه حاجبه فقال له : علَّويه بالباب ، فأذن له فدخل . فقال له : لا تحمدني فإنّي لم يجئني رسول رجل اليوم ، فعرضت إخواني جميعا على قلبي فلم يقع عليه غيرك . فدعا له ببرذون أدهم بسرجه ولجامه فأهداه إليه ، وجلسنا نشرب وعلَّويه يغنّي . فلمّا توسّطنا أمرنا جاء رسول عجيف [ 2 ] يطلبه في منزله ، فقالوا له : هو عند ابنه سعيد . فأتاه الرسول فقال له : أجب الأمير . فقلنا : هذا شيء ليس فيه حيلة . وقد جاء الرسول وهو يغنّي : صوت ألم تر أنّي يوم جوّ سويقة [ 3 ] بكيت فنادتني هنيدة ماليا فقلت لها إنّ البكاء لراحة به يشتفي من ظنّ أن لا تلاقيا - لحن علَّويه في هذا رمل . والشعر للفرزدق - قال : فقام علَّويه ثم قال : هو ذا ، أمضى إلى الأمير فأحدّثه بحديثنا وأستأذنه في الانصراف بوقت يكون فيه فضل لكم . فانصرف بعد المغرب ومعه جام ، فيه مسك وعشرة آلاف درهم ومنيان [ 4 ] فيهما رماطون [ 5 ] ، فقال : جئت أشرب عندكم ، وآخذه [ 6 ] وأنصرف إلى إنسان له عندي أياد ( يعني عليّ بن معاذ أخا يحيى بن معاذ ) فلم يزل عندنا حتّى همّ بالانصراف . فلمّا رأيت ذلك فيه قمت قبله فأتيت منزل عليّ بن معاذ ، فقيل له : ابن الأبزاريّ بالباب . فبعث إليّ : إن أردت مضاء فخذه ( يعني غلاما كان يغنّي ) ، فقلت له : لست أريده ، إنّما أريدك أنت ، فأذن لي فدخلت . فقال : ألك حاجة في هذا الوقت ؟ فقلت : الساعة يجيئك علَّويه . فقال : وما يدريك ؟ فحدّثته بالحديث . ودخل علَّويه ، فقال لي : ما جاء بك إلى هاهنا فقلت [ 7 ] : ما كنت لأدع بقيّة ليلتي هذه تضيع ، فما زال يغنّينا ونشرب حتى نام الناس ثم انصرفنا . فضله عمرو بن بانة على نفسه : حدّثني جعفر بن قدامة قال حدّثنا هارون بن مخارق قال حدّثني أبي قال :
--> [ 1 ] مطجنة : مقلوة بالطاحن . [ 2 ] هو عجيف بن عنبسة أحد رجالات دولة بني العباس ومن قوّاد المعتصم . ( راجع « الطبري أوروبا القسم الثالث صفحة 1166 - 168 و 1256 - 1258 و 1364 - 1266 ) . [ 3 ] جوّ سويقة : من جواء الصمان . ( عن « معجم البلدان » لياقوت ) . [ 4 ] المنى : مكيال يكيلون به السمن وغيره . وتثنيته منون ومنيان ، والأوّل أعلى ، وجمعه أمناء . وبنو تميم يقولون منّ ( بتشديد النون ) ومنان وأمنان . [ 5 ] كذا في « ج » . وأحسب أن الصواب : « فيهما رساطون » . والرساطون : ضرب من الشراب يتخذ من الخمر والعسل ، رومي معرب . وفي « سائر الأصول » : « فيهما رمان » . وظاهر أنه تحريف . [ 6 ] مرجع الضمير ما كان معه من الجام وما نسق عليه . [ 7 ] في « الأصول » : « فقال » وسياق الكلام يأباه .