أبي الفرج الأصفهاني
230
الأغاني
رأسه بطيلسانه وقام فانصرف وتركها مكانها ، حتى جاء بعض أعوانه فأخذها . وقال بعض شعراء ذلك العصر فيه هذه الأبيات : إنّ الخلنجيّ من تتايهه أثقل باد لنا بطلعته ما إن لذي نخوة مناسبة [ 1 ] بين أخاوينه وقصعته يصالح الخصم من يخاصمه خوفا من الجور في قضيّته لو لم تدبّقه كفّ قانصه [ 2 ] لطارتيها [ 3 ] على رعيّته قال : وشهرت الأبيات والقصّة ببغداد ، وعمل له علَّويه حكاية أعطاها للزفّانين [ 4 ] والمخنّثين فأحرجوه فيها ، وكان علَّويه يعاديه لمنازعه كانت بينهما ففضحه ، واستعفى الخلنجيّ من القضاء ببغداد وسأل أن يولَّى بعض الكور البعيدة ، فولَّي جند دمشق أو حمص . فلمّا ولي / المأمون الخلافة غنّاه علَّويه بشعر الخلنجيّ فقال : برئت من الإسلام إن كان ذا الَّذي أتاك به الواشون عنّي كما قالوا / ولكنّهم لمّا رأوك غريّة [ 5 ] بهجري تواصوا بالنميمة واحتالوا فقد صرت أذنا للوشاة سميعة ينالون من عرضي وإن شئت ما نالوا فقال له المأمون : من يقول هذا الشعر ؟ فقال : قاضي دمشق . فأمر المأمون بإحضاره ، فكتب إلى صاحب دمشق بإشخاصه فأشخص ، وجلس المأمون للشّرب وأحضر علَّويه ، ودعا بالقاضي فقال له : أنشدني قولك : برئت من الإسلام إن كان ذا الذي أتاك به الواشون عني كما قالوا فقال له : يا أمير المؤمنين هذه أبيات قلتها منذ أربعين سنة وأنا صبيّ ، والذي أكرمك بالخلافة وورّثك ميراث النبوّة ما قلت شعرا منذ أكثر من عشرين سنة إلَّا في زهد أو عتاب صديق . فقال له : اجلس فجلس ، فناوله قدح نبيذ التمر أو الزّبيب . فقال : لا واللَّه يا أمير المؤمنين ما أعرف شيئا منها . فأخذ القدح من يده وقال : أما واللَّه لو شربت شيئا من هذا لضربت عنقك ، وقد ظننت أنّك صادق في قولك كلَّه ، ولكن لا يتولَّى لي القضاء رجل بدأ في قوله بالبراءة من الإسلام ، انصرف إلى منزلك . وأمر علَّويه فغيّر الكلمة وجعل مكانها « حرمت مناي منك » . ضربه الأمين بوشاية ابن الربيع ثم تقرّب بذلك إلى المأمون فلم ير منه ما يحب : حدّثني جعفر بن قدامة قال حدّثني محمد بن عبد اللَّه بن مالك قال : كان علَّويه يغنّي بين يدي الأمين ، فغنّى في بعض غنائه : ليت هندا أنجزتنا ما تعد وشفت أنفسنا مما تجد
--> [ 1 ] كذا في « الأصول الخطية » . وفي « ب ، س » : « مناشبة » بالشين المعجمة . والأخاوين : جمع خوان ( بضم أوله وكسره ) وهو ما يؤكل عليه الطعام . [ 2 ] في « ب ، س » : « قابضه » وهو تصحيف . والتدبيق : صيد الطائر بالدبق وهو الغراء يلزق بجناح الطائر فيصاد به . يقال : دبقه ( من باب ضرب ) ودبقه ( بالتضعيف ) . [ 3 ] في « الأصول » : « منها » . والتصويب من « مختصر الأغاني » . [ 4 ] الزفانون : الرقاصون . [ 5 ] غرية : مولعة . وفي « الطبري » ( القسم الثالث صفحة 1150 ) : « سريعة . إليّ » .