أبي الفرج الأصفهاني

144

الأغاني

فتعاقدوا بينهم نحوا من ثلاثين فارسا ثم اتّبعوه . ونهضت امرأة من بني خثعم من بني الهرّة [ 1 ] كانت في بني عوف وكانت تؤخّذ [ 2 ] لهم ، فقالت : أروني أثره ، فخرجوا بها فأروها أثره ، فأخذت من ترابه فسافته فقالت : اطلبوه فإنّه [ سيحبس [ 3 ] ] عليكم . فطلبوه فسبقهم ، فتلاوموا [ بينهم [ 3 ] ] وقالوا : ما نرى له أثرا ، وما نراه إلا وقد سبقكم . قال : وخرج توبة حتى إذا كان بالمضجع من أرض بني كلاب جعل نذارته [ 4 ] وحبس أصحابه . حتى إذا كان بشعب من هضبة قال لها هند [ 5 ] من كبد المضجع جعل ابن عمّ له [ 6 ] يقال له قابض بن عبد اللَّه ربيئة [ له [ 3 ] ] على رأس الهضبة فقال : انظر فإن شخص لك شيء فأعلمنا . / فقال عبد اللَّه [ 7 ] بن الحميّر : يا توبة إنّك حائن [ 8 ] ، أذكَّرك اللَّه ، فو اللَّه ما رأيت يوما أشبه / بسمرات بني عوف يوم أدركناهم في ساعتهم التي أتيناهم فيها منه [ 9 ] ، فانج إن كان بك نجاة . قال : دعني ، فقد جعلت ربيئة ينظر لنا . قال : ويرجع بنو عوف بن عقيل حين لم يجدوا أثر توبة فيلقون رجلا من غنيّ ، فقالوا له : هل أحسست في مجيئك أثر خيل أو أثر إبل ؟ قال : لا واللَّه . قالوا : كذبت وضربوه . فقال : يا قوم لا تضربوني ، فإني لم أجد أثرا ، ولقد رأيت زهاء كذا وكذا إبلا شخوصا في هاتيك الهضبة ، وما أدري ما هو . فبعثوا رجلا منهم يقال له يزيد بن رويبة لينظر حتّى ما في الهضبة . فأشرف على القوم ، فلما رآهم ألوى بثوبه لأصحابه حتّى جاؤوا ، فحمل أوّلهم على القوم حتى غشي [ 10 ] توبة ، وفزع توبة وأخوه إلى خيلهما ، فقام توبة إلى فرسه فغلبته لا يقدر على أن يلجمها ولا وقفت له ، فخلَّى طريقها ، وغشيه [ 10 ] الرّجل فاعتنقه ، فصرعه توبة وهو مدهوش وقد لبس الدّرع على السيف فانتزعه ثم أهوى به ليزيد بن رويبة فاتّقاه بيده فقطع منها ، وجعل يزيد يناشده رحم صفيّة ، وصفيّة أمّ له [ 11 ] من بني خفاجة . وغشي القوم توبة من ورائه فضربوه فقتلوه ، وعلقهم عبد اللَّه بن الحمّير يطعنهم بالرّمح حتى انكسر . قال : فلمّا فرغوا من توبة لووا على عبد اللَّه بن الحميّر فضربوا رجله فقطعوها . فلمّا وقع بالأرض أشرع سيفه وحده ثم جثا على ركبتيه وجعل يقول : هلمّوا ، ولم يشعر القوم بما أصابه . وانصرف بنو عوف بن عقيل ، وولَّى قابض منهزما حتى لحق بعبد العزيز بن زرارة الكلابيّ / فأخبره الخبر . قال : فركب عبد العزيز حتى أتى توبة فدفنه وضمّ أخاه . ثم ترافع القوم إلى مروان بن الحكم ، فكافأ بين الدّمين [ 12 ] وحملت الجراحات .

--> [ 1 ] في « مختار الأغاني » : « من بني الهدة » . [ 2 ] تؤخذ لهم أي تعالج لهم السحر . [ 3 ] زيادة عن « مختار الأغاني » . [ 4 ] النذارة : الإنذار . وإذ صح ما في « الأصول » فلعله يريد : وضع من ينذره أمر العدوّ أي وضعه حيث يعلم أمرهم إن قدموا فيخبره بهم ، فاستعمل النذارة في المنذر . وعبارة « مختار الأغاني » : « . . . جعل يحبس أصحابه » . [ 5 ] كذا في « الأصول » . وفي كتاب « معجم ما استعجم » في الكلام على هيدة ( بالدال المهملة ) : « . . . ولم تختلف الرواية عن أبي عبيدة في كتابيه كتاب » أيام العرب « وكتاب » مقاتل الفرسان « أن الهضبة التي قتل فيها توبة اسمها بنت هند ، على لفظ اسم المرأة . . . » . [ 6 ] في « الأصول » : « ابن عمة له » . والتصويب من « مختار الأغاني » . وفي كتاب « معجم ما استعجم » في الكلام على هيدة ذكر قول ليلى الأخيلية ترثي توبة : تخلى عن أبي حرب فولى بهيدة قابض قبل القتال ثم قال : « تعني قابض بن عبد اللَّه المسلم لابن عمه توبة . . . » . [ 7 ] في « ب ، س » : « عبد اللَّه بن جسوسا بن الحمير » وهو غلط سببه أن قارئا لنسخة « ج » فسر « ربيئة » فقال « أي جاسوسا » فكان التفسير فوق « عبد اللَّه » فظن الناشر أنه أبوه . [ 8 ] الحائن : الهالك . وفي « ب ، س » : « حائر » وهو تحريف . [ 9 ] عبارة « مختار الأغاني » : « من هذه الساعة من هذا اليوم » . [ 10 ] غشيه هنا : لحقه وأدركه . [ 11 ] كذا في « مختار الأغاني » . وفي « الأصول » : « وصفية امرأة من بني خفاجة » . [ 12 ] في « ج » : « بين الدميين » . ويقال في تثنية الدم دمان ودميان ، وشذ دموان .