السيد مسلم الحلي

196

القرآن والعقيدة

لا تناقض بين هذا وذاك وكل تلك الآيات ، وإنك لتعلم كل ذلك بكل سهولة إذا علمت ما أسلفناه إليك من شرائط التناقض بين القضايا عند المنطقيين . فنقول - على ضوء ما سلف من البيان - : إن ليوم القيامة مقامات وأحوال تختلف عند تلك المقامات والأحوال أحوال أشخاص الناس فيما لهم من الشؤون ، وعند ذلك لا تناقض ولا اختلاف . ومن هنا أيضا يتجلى بوضوح أنه لا تناقض بين قوله تعالى : * ( ليس لهم طعام إلا من ضريع ) * ( 1 ) وبين قوله تعالى : * ( ولا طعام إلا من غسلين ) * ( 2 ) فأي مانع يمنع من أن يقال : إن الطعام مختلف باختلاف الأشخاص ، أو مختلف باختلاف الأمكنة والأحوال والأزمان ؟ فلا خلف ولا اختلاف ولا تناقض ولا اختلال . ثم أتبع السير بالسير ، وكرر السؤال تارة أخرى ليتكرر الجواب عليك فيزداد الأعسر بالوضوح والجلاء ، ألق نظرة على قوله تعالى : * ( ولسليمان الريح عاصفة ) * ( 3 ) ثم ألق نظرة على قوله تعالى : * ( فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء ) * ( 4 ) فستقول كما هو ظاهر الحال : إن الريح العاصفة لا تكون رخاء ، فهذا من التناقض بمكان . وإن قلت هذا فسيقال لك : أي مانع من اختلاف الريح باختلاف الأزمان حيث يشاء من سخرها ، وهذا من القدرة لا من التناقض بمكان - كما يظنه الجاهلون - ؟ وما المانع من أن يراد بالرخاء في الرخية الطيعة لمن سخرن له . وفي هذا من التدليل على القدرة ما لا يخفى على العرفاء .

--> ( 1 ) سورة الغاشية : 6 . ( 2 ) سورة الحاقة : 36 . ( 3 ) سورة الأنبياء : 81 . ( 4 ) سورة ص : 36 .